سدنةُ الموازين.. وانكسارُ المرآةِ العُلوية

✍️حسن المقصودي – كاتب سعودي:
بين كفة الخضار وكفة الوجود يمتد شق سحيق في الوجدان البشري، هناك حيث يقف الإنسان حارساً شرساً على غرامات البصل والطماطم، مرتدياً جبة قاضي المادة الذي لا يغفل ولا يصفح عن نقصان ذرة في ميزان السوق، لكنه ذاته، في مفارقة تراجيدية ساخرة، يخلع وقار العدالة حين يغادر عتبة المتجر ليمارس أبشع طقوس التطفيف في سوق القيم والمواقف.
إننا نعيش زمن كهنة الموازين، أولئك الذين يقدسون الحديد الأصم لأنه يحرس دراهمهم الفانية، ويكفرون بميزان العقل الذي نصبه الخالق بوصلة سرمدية نحو الحق. والعقل الذي نتحدث عنه ليس محض آلة حسابية باردة لتدبير المعاش، بل هو النور القدسي واللوغوس الذي وُضع لنزن به جوهر الوجود والصلات والنزاعات قبل أن نزن به الأقوات، فكيف نستأمن الحديد الجامد على أرزاقنا ونخون الرشد في تقرير مصائرنا؟
المأساة تكمن في ذلك التعطيل المتعمّد للميزان الإلهي، ففي لحظة الصدام مع الآخر يتحول العقل من قاضٍ نزيه يطلب الحقيقة بقداسة إلى محامٍ بارع يبرر الهوى والعصبية. هذا هو التطفيف الوجودي؛ أن نستل سيوف العدل حين يتعلق الأمر بحقوقنا ونغمدها حين يجب أن نزن أقدار الناس وأفعالهم بميزان التجرد.
إن العودة إلى جادة الحق تقتضي منا تقديساً لعقولنا يضاهي دقة موازين الذهب، عبر تجرد وجودي قاسٍ لا يحابي الأنا ولا يمالئ الصديق على حساب الحقيقة المطلقة، فالعقل الذي تميله رياح العاطفة هو ميزان مكسور لا يعتد بأحكامه في محكمة التاريخ.
عظمة الأمم لا تقاس بمدى استقامة موازين أسواقها، بل باستقامة الموازين الذهنية لأبنائها، ومن العار الوجودي أن نكون أنبياء نزاهة في وزن احتياجاتنا المادية وسحرة غش في وزن قيمنا ومواقفنا. إن العقل الرشيد هو القبلة التي لا تخطئ إذا ما تحررت من أصفاد الذات، وهو الضمانة الوحيدة لتستقيم حياتنا كأفق لا ينحني، ولتكتمل كفتا الميزان في ميثاق أبدي بين الحق والجمال.
والسلام.
للتواصل:[email protected]



