أين تضع ريشتك؟.. الربح والتاريخ في ميزان المعارض التشكيلية

✍️فهد باسودان- كاتب سعودي وفنان تشكيلي وعضو الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون :
يعيش الوسط الفني اليوم حالة من الزخم المتسارع، حيث تطل علينا المعارض يوماً بعد يوم، وتتعدد الدعوات للمشاركة. ولكن، هل سأل الفنان نفسه يوماً: هل كل منصة عرض هي خطوة للأمام؟ أم أن بعضها مجرد استهلاك للجهد والمال؟ لكي يعرف الفنان أين يضع لوحته، يجب علينا تفنيد المعارض إلى أربعة أقسام أساسية:
أولاً: المعارض “الربحية” (التجارية)
وهي المنصات التي تعتمد في استمرارها على جيوب الفنانين أنفسهم. تطلب رسوم اشتراك مادية مقابل مساحة للعرض، وغالباً ما تفرض مقاسات محددة وصارمة للأعمال لاستيعاب أكبر عدد من المشاركين. هذه المعارض تمنح الفنان ظهوراً اجتماعياً عابراً، لكنها لا تخدم سيرته الذاتية عند النقاد والمتاحف، بل قد تضعف من قيمة العمل الفني بحشره وسط أعمال متباينة المستوى.
ثانياً: المعارض “الرسمية” (المؤسساتية)
وهي التي تنظمها الجهات الثقافية الرسمية والمتاحف الوطنية. تمتاز هذه المعارض بأنها لا تطلب رسوماً مادية، بل تعتمد معيار “الجودة” من خلال لجان فرز وتحكيم متخصصة. التواجد هنا هو بمثابة “اعتماد رسمي” لمستوى الفنان، حيث تُؤرشف الأعمال في تاريخ الحركة التشكيلية وتُحفظ في كتالوجات رسمية تضمن بقاء الاسم في السجلات الثقافية.
ثالثاً: المعارض “النوعية” (الجاليريات والمشاريع الشخصية)
هنا تبدأ القيمة السوقية الحقيقية للفنان. هذه المعارض تتبنى “مشروعاً” أو “فلسفة” لفنان واحد أو مجموعة مختارة بعناية فائقة. هدفها ليس مجرد العرض، بل تقديم تجربة فنية متكاملة للمقتنين والمهتمين. هذا النوع هو الاستثمار الحقيقي الذي يبني هوية الفنان وبصمته الخاصة في سوق الفن.
رابعاً: المعارض “العالمية” (النخبوية)
وهي المحافل الدولية الكبرى كالبيناليات والصالونات العريقة في عواصم الفن العالمية. الوصول إلى هذه المنصات هو بوابة “الخلود الفني”، حيث يتجاوز الفنان بابتكاره الحدود المحلية ليحاكي العالمية. في هذه المعارض، يُكتب التاريخ الحقيقي، وتصبح الأعمال جزءاً من الذاكرة الإنسانية العالمية.
ختاماً..
إن الفن رسالة سامية وتاريخ يُكتب بالريشة، فليكن اختيارنا لمنصات العرض نابعاً من احترامنا لأعمالنا وتقديرنا لمسيرتنا. التاريخ لا يسجل عدد اللوحات التي علقتموها، بل يسجل أين علقتموها وماذا أضافت للمشهد الإنساني.



