كتاب الرأي

اليوم العالمي لمتلازمة داون ما بين التقبل والوصمة: الرحلة النفسية لأسر متلازمة داون

✍️ د. عبدالرزاق آل سعد _ كاتب في الصحة النفسية و الاجتماعية :

عندما يُولد طفل مصابًا بمتلازمة داون، تبدأ رحلة لا تشبه أي رحلة أخرى. إنها رحلة تتشابك فيها المشاعر المتناقضة، وتتصارع فيها الفرحة بالحياة مع صدمة التشخيص، ويواجه فيها الآباء تحديًا مزدوجًا: التعامل مع واقع طفلهم، وفي الوقت نفسه مواجهة نظرة المجتمع.

تبدأ القصة عادة في غرفة الولادة أو في عيادة الطبيب. الخبر الذي لم يكن في الحسبان يغير مسار الحياة في لحظة. كثير من الآباء يمرون بمراحل الحزن الكلاسيكية: الصدمة، الإنكار، الغضب، المساومة، وأخيرًا التقبل. لكن رحلة التقبل ليست خطية، بل أشبه بموجات متقلبة، قد يعود فيها الأهل إلى مشاعر الحزن في مناسبات مختلفة، خاصة عند مقارنة طفلهم بأقرانه أو عند مواجهة تحديات جديدة.

مع مرور الوقت، تبدأ الأسرة في الانتقال التدريجي نحو التقبّل. التقبّل هنا لا يعني الاستسلام، بل هو وعي عميق بطبيعة الحالة، وإعادة تعريف النجاح والتقدم. في هذه المرحلة، تتغير لغة الأسرة من “ما الذي فقدناه؟” إلى “ما الذي يمكننا بناؤه؟”. وهنا تظهر قوة المعنى، حيث يصبح الطفل مصدرًا للنمو العاطفي والتعلم .

وهنا يأتي التحول من الوصمة إلى التمكين
التحول الحقيقي يحدث عندما تنتقل الأسرة من موقع الدفاع إلى موقع التمكين. بدلًا من محاولة إخفاء طفلها، تبدأ في الدفاع عن حقوقه والمطالبة بإدماجه في المجتمع. بدلًا من الشعور بالخجل، تفتخر بإنجازاته مهما كانت صغيرة. بدلًا من العزلة، تتحول الأسرة إلى سفير للتوعية في محيطها.

هناك أسر استطاعت تحويل محنتها إلى رسالة. بدأت تتحدث في المدارس، تنشئ مجموعات دعم، وتشارك في حملات التوعية. في هذا التحول، تجد الأسرة معنى جديدًا لتجربتها، وتتحول من ضغط الوصمة إلى قوة التأثير.

الرحلة النفسية لأسر متلازمة داون هي رحلة من الصدمة إلى التقبل، ومن الوصمة إلى الفخر، ومن العزلة إلى الانتماء. هي رحلة تختبر قوة الإنسان وعمق حبه. في نهاية المطاف، يكتشف العديد من هذه الأسر أن طفلهم لم يكن مجرد “تحدٍ” يواجهونه، بل كان بوابة لمعاني أعمق في الحياة، درّبهم على الصبر غير المشروط، والحب الخالي من الشروط، والفرح بالأشياء البسيطة.

كل طفل من ذوي متلازمة داون هو قصة فريدة، وكل أسرة تخوض رحلتها الخاصة. لكن المشترك بينهم جميعًا هو الحاجة إلى مجتمع يفهم، ويدعم، ويتقبل أن الاختلاف ليس نقصًا، بل تنوعًا يثري حياتنا جميعًا.

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى