تراتيل الحبر والورق: لماذا يجب أن نقرأ مئة ورقة لنكتب مقالاً باذخاً؟
✍️حسن المقصودي-كاتب سعودي:
لا تبدأ الكتابة الحقيقية من ريشة القلم، بل تولد من بين رفوف المكتبات المكتظة؛ فكل نصٍّ باذخ الجمال، يسطع بالدهشة ويأسر الألباب، ليس إلا “قطرة مصفاة” استُخلصت من محيطات من القراءة المضنية. ففي محراب الكلمة، لا يُعتدُّ بكاتبٍ لم يحرق في عقله مئة ورقة ليضيء للقارئ شمعة واحدة في سطرٍ فريد.
إن القراءة ليست ترفاً أو تزجية للوقت، بل هي “قوتٌ مقدّس” للعقل والروح، والنافذة الأسمى التي يطل منها الإنسان على جوهر الوجود، حيث تمنح الفرد قدرةً فذة على التفكير النقدي، وتوقد شعلة الذكاء والذاكرة، مضافاً إليها تلك “الأعمار الأخرى” التي يستعيرها الكاتب من فكر الفلاسفة والمخترعين والشعراء، ليتجاوز بها حدود زمانه ومكانه الضيقين.
وهنا تبرز كيمياء النص الباذخ؛ حيث يتجلى الفرق الشاسع بين “ناظم الكلمات” العابر وبين “الكاتب النهم” الذي يمارس الاستسقاء المعرفي، فيمتص بلاغة الأقدمين ويشتبك مع رؤى المحدثين حتى يفيض حبره برائحة المعرفة وصقل المجاز، بعيداً عن فقر الدم الفكري الذي يصيب النصوص الضحلة. إنها دعوة صريحة للارتقاء بالكتابة كأمانة أخلاقية وجمالية، فالمجتمعات القارئة هي وحدها التي تملك بوصلة التطور الحضاري، والكاتب الذي يرفض أن يكون قارئاً مجيداً لن يترك في القراء إلا صدىً باهتاً لا يُسمن ولا يغني من جوع.
إن النص الذي يستحق الخلود هو “خلاصة الذهب” التي لا تظهر إلا بعد صهر أطنان من خام الكتب؛ فمن لم يرتوِ أولاً من بحور القراءة، جفّ مداده عند أول سطر، وظلَّ غريباً عن مملكة الإبداع الحقيقي التي لا تفتح أبوابها إلا لمن جعل القراءة محرابه الأول، وقبلته الأخيرة، لإدراكه العميق أنه ليس كل من أمسك القلم صار كاتباً، بل الكاتب هو من قرأ مئة ورقة ليرث العالم في مقال.
والسلام ؛؛؛
للتواصل : [email protected]



