متى نستفيق نحن ؟!
✍️ مها الشاعر – كاتبة سعودية :
“عقول أطفالنا ليست للبيع، لا للمنصات الأمريكية ولا للخوارزميات الصينية” ..
بهذه العبارة أشاد رئيس الوزراء الفرنسي إيمانويل ماكرون بقرار مجلس البرلمان الفرنسي والذي نص على تطبيق قانون حظر استخدام وسائل التواصل الإجتماعي لمن هم دون الخامسة عشر من عمرهم، إشارة منه للتأييد الكبير لهذا القرار والذي حاز على ١٣٠ صوت موافقة، مقابل ٢١ صوت غير مؤيد لتطبيقه، وستتم إحالة القرار إلى مجلس الشيوخ هناك للمصادقة عليه ليدخل حيز التنفيذ خلال الفترة المقبلة ، أي ما قبل بدأ العام الدراسي الجديد في فرنسا.
تم إصدار هذا القرار للحد من المخاطر الجسيمة الواقعة على هذه الفئة العمرية والتي تعتبر الأكثر تضرراً من تعرضها لخوارزميات الإدمان التي أصبحت تعتمدها معظم منصات التواصل الإجتماعي، وذلك للحفاظ على بقاء المستخدم أطول فترة ممكنة على هذه المنصة بالتحديد دون غيرها، وتتنافس المنصات في ذلك دون أي رادع أخلاقي بحثاً عن مصالحهم الإقتصادية والتنموية الشخصية لا المجتمعية .
والذي يجعل هذه الفئة ذات التجربة العمرية والفكرية قصيرة المدى من الحياة، والتي لا تزال غير مهيئة بما يكفي لتلقي هذا الكم الهائل من الإرهاق الذهني والنفسي، بما يفوق طاقة التحمل والاستيعاب لديهم نفسياً وفسيولوجياً.
ماذا يعني أن يمسك طفل بالثانية أو الخامسة من عمره بجهاز ذكي وعدد بيانات غير محدود، ويتنقل من مقطع كوميدي لآخر ساذج، وثالث أحمق، ورابع هادف وللأسف هذا قل ما يجدونه.
ماذا يعني أن هذا العقل الذي لا يزال في طور النمو يستقبل هذا الكم الهائل من هذه الأصوات، واللغات، والثقافات خلال ساعة واحدة بدون طريقة ممنهجة أو منظمة وواعية لوظيفة الدماغ.
ماذا يعني أن يستلقي ذلك الجسد الصغير دون حراك بالساعات على أريكة ، ويحرك بأصبعه الصغير طلوعاً ونزولاً من منصة لأخرى ، ويحدق في كل ذلك الضجيج السمعي والبصري والمعرفي ليصل إلى قرابة العشرون مقطع على أقل تقدير خلال ساعة واحدة فقط .
ولنفترض عشرون مقطعاً مختلفة التوجه، فكراً ونهجاً وديانةً، بمختلف الثقافات والأعراف. وهو غير واعي لما يتلقى، غير مدرك لما يغرس في عقله الباطن، غير فطن للوضع والنشاط الذهني أو البدني الذي ينبغي أن يكون عليه من هو في عمره .
من يلام هنا .. التقنية أم الأهل ؟ المجتمع أم الجهات المعنية بنشر ثقافة الوعي بحجم هذه المخاطر على سلوك وتنشئة هذا القاصر أو هذا الجيل بصفة أكثر شمولاً؟
لماذا نحن دائماً آخراً وليس أولاً بإتخاذ مثل هذه القرارات ؟ لماذا هم دائماً سباقون للحماية مجرد أن يستشعرون ببعض تجاوز لثقافتهم أو ركائزهم المجتمعية ؟!..
بعد قرابة الـ ١٤ عاماً قضتها السويد في استبدال الكتب الورقية بالألواح الرقمية، صدر قبل عامين قرار بالعودة إلى الكتب الورقية والكتابة بإستخدام اليد والقلم بدلاً عن الألواح والمفاتيح الرقمية.
وذلك بعد ملاحظة تراجع كبير في مستوى الفهم والإدراك، وانخفاض معدل القراءة وجودة الكتابة لدى الطلاب ، حيث ذكرت وزيرة المدارس السويدية في تصريحها بالإضافة إلى ما ذكر من أضرار على الصحة العقلية والنفسية والبدنية، بأن هذا كان يتعارض أيضاً مع سياسة الأهالي في الحد من استخدام مواقع التواصل الاجتماعى والأجهزة الذكية بشكل عام، وبالتالي شرعت تحت إشراف وزير التعليم في إصلاح النظام التعليمي بعد ملاحظة هذا الخلل البارز جداً الذي لا يمكن تجاهله.
ويعتبر هذا القرار ذو تكلفة باهظة جداً، والتي كلفت الحكومة السويدية بمبالغ مالية تقدر بـما قيمته 685 مليون كرون سويدي، أي ما يعادل أكثر من 60 مليون دولار، لتنفيذ تلك السياسة.
أي نعم تعتبر تكلفة باهظة جداً ولكن التكلفة الأكثر ضرراً حقيقةً، هي عندما تعتقد بأنك تبني بينما أنت في الحقيقة لست أكثر من معول هدم .
والتطرق للحديث عن التجربة السويدية هنا ليس من باب الإضاءة فقط، ولكن للإشارة أيضاً إلى أن أحد أهم أسباب إنتشار التكنولوجيا هذا الإنتشار المريع لمن هم دون سن البلوغ بدأ من هذه النقطة وبالتحديد فترة كورونا.
والحديث هنا عن المجتمعات العربية، والخليجية منها على وجه الخصوص، وذلك عند التحول إلى الدراسة عن بعد واضطرار الكثير من الأهالي إلى تسليم أبناءهم أجهزة لوحية خاصة رغم رفضهم لهذا المبدأ، من بعد أن كان الاستخدام مرتبط فقط بأجهزة الوالدين أو الإخوة البالغين وتحت رقابة مشددة.
الأمر بدأ بهدف تعليمي بحت، ومن ثم انتقل تدريجياً إلى وسيلة ترفيه رقمية بحته لا علاقة لها بأي محتوى تعليمي إلا ما ندر.
عالم افتراضي رحب وجد نفسه هذا الطفل أو المراهق متواجد فيه فجأة و دون سابق وعي، معرفة ، أو إدراك .
وبالعودة إلى قرار الحظر الذي هو مرتكز حديثنا، استراليا سبقت فرنسا بذلك في العاشر من ديسمبر الماضي، ومعظم الدول الأوروبية الكبرى تدرس تطبيقه حسب ما يتوافق مع سياستها وقوانين الحوكمة لديها.
عدد من الولايات المتحدة أيضاً أدركت حجم هذا التلوث المعرفي السلوكي الذي تتعرض له هذه الفئة الناشئة، وبدأت كسابقتها من تلك الدول بمطالبة تنفيذ القرار وتطبيقه على أرض الواقع، وبالرغم من صعوبة تطبيقه هناك في الولايات المتحدة الأميركية على وجه التحديد بسبب وجود كبرى الشركات والمنصات الرقمية هناك، إلا وأن المطالبات لم تتوقف.
ماليزيا واندونيسيا ، وكذلك مصر ، في طريقهم إلى تطبيقه حسب قوانين الوصول المشروط الذي يعتمد على موافقة ومتابعة أولياء الأمور، والسعي لتطبيقه بطريقة لا تمنع الوصول الكلي حتى لا ندخل في معضلة أخرى ألا وهي “كل ممنوع مرغوب” .
ونتمنى أن تحذو بقية الدول حذوهم، ومن ضمنها مملكتنا الحبيبة ودول الجوار .
“”ومع ارتفاع معدلات استخدام السوشيال ميديا قبل سن 13 عامًا، وازدياد تأثير المنصات على السلوك، والمقارنة الاجتماعية، والصحة النفسية، تبرز الحاجة لتحديد «سن رشد رقمى» يناسب البيئة المحلية.. فبحسب CAPMAS (الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء)، عدد الأطفال فى مصر – الذين هم دون 18 سنة – بلغ حوالى 39.7 مليون طفل فى أوائل 2025، ما يعادل نحو 36.8٪ من إجمالى السكان.. هذه النسبة الضخمة تجعل من مفهوم «سنّ الرشد الرقمى» قضية وطنية جوهرية، لأن ما يقارب ثلث سكان مصر هم قُصّر – ما يعنى أن أى قرار بشأن تنظيم وصولهم إلى منصات التواصل له أثر واسع جدًا من الناحية المجتمعية.
خبراء التكنولوجيا وأمن المعلومات يعرّفون «سنّ الرشد الرقمى» بأنه العمر الذى يصبح فيه المستخدم قادرًا على إدراك مخاطر البيانات، والخصوصية، والتنمر الإلكترونى، والتأثيرات الخوارزمية على الصحة النفسية. “”
الشق أكبر من الرقعة:
اقتبس هنا مقولة للكاتب عبداللطيف الضويحي حين قال: “أمام هؤلاء وأولئك، سوف يتغير المثل وسنجد أنفسنا نقول: الشق أذكى من الرقعة، بدلا من الشق أكبر من الرقعة.”
وبغض النظر عن أن حديثه كان في سياق مختلف تماماً عما نتحدث عنه، ولكن فيما يبدو بأن للمعضلات تشعبات وتبعات وحلول متشابهة في المسار، وإن اختلفت مشاربها وتوجهاتها.
وبالعودة لجذور الرِّقعة في العربية الفصحى؛ هي في الأصل تعرف بـ “الرُّقعة” ، ولم تكن تستخدم فقط لرتق الشق من الثوب أو ما شابهه، بل كانت تطلق كذلك على القطعة من الخشب والتي كانت تستخدم قديماً للكتابة عليها.
ولو افترضنا بما أن حديثنا جُلّه افتراضياً في هذا المقال، بأن الشق هو اللوح الرقمي ، وأما الرُّقعة هي ذاتها، والتي تحمل الرمزية ذاتها والتي أصبحت اليوم كتباً وأوراقاً.. ونتساءل ..
هل أصبح الشق فعلاً أذكى من الرُّقعة ؟!
أم أنه لازال للإنسان ورُقعته قولاً آخراً في ذلك ؟..
أقول هنا: أعتقد بأننا لسنا بحاجة إلى أن نقطع شوطاً طويلاً قد أخبرونا من سبقونا إليه عن مدى عدم جدواه.
طريق سلبياته تفوق إجابياته بمراحل، وإن كان لابد من ذلك فيجب عدم تحييد الأدوات التقليدية التي ترتبط مباشرة بحواس الإنسان، والتي تعتمد على وظائف الدماغ وعملياته الذهنية ونشاطه البدني، بعيداً عن الآلة بكل أشكالها، ناهيك عن المحتوى الأخلاقي الهابط.
وقد كان لوزارة الإعلام لدينا مشكورين فيما يخص الحظر عدداً من المبادرات في الأشهر الماضية ، مثل إلزام بعض تطبيقات الألعاب بفرض عدد من الضوابط للمحتوى المسموح بتمريره إلى فئة المراهقين ومن هم دونهم، وفرض رقابة عالية جداً على كل ما يدار داخلها.
وكذلك ضبط المحتوى المحلي المتداول في مواقع التواصل الاجتماعي ، وفرض عدد من الغرامات والعقوبات لمن يخالف ذلك، للحد من الإسفاف وهبوط الذوق العام مؤخراً إلا من رحم ربي.
ولا زلنا نطمح للمزيد، فهناك فضاء أكثر اتساعاً من حولنا خارج عن سيطرة الأهالي وكل من يقوم مقامهم، ونحن أولى بهذا.
للتواصل [email protected]



