كتاب الرأي

(بين فوضى البدايات وإبداع النهايات) هندسة الفوضى وصناعة الابتكار ..

✍️أروى بنت مسلط العتيبي – كاتبة سعودية :

يبحث الإنسان بطبيعته عن النظام لأنه يمنحه الشعور بالسيطرة والطمأنينة لذلك ارتبطت الفوضى في الأذهان بالتشتت والإخفاق بينما يخبرنا تاريخ الإبداع بحقيقة مختلفة فالكثير من الأفكار التي صنعت أثرًا في حياة البشر لم تولد داخل بيئات مثالية ولا وفق خطط مكتملة بل خرجت من محاولات مرتبكة وأسئلة مفتوحة وتجارب لم يكن أصحابها يعلمون إلى أين ستقودهم 

ومن هنا يبرز مفهوم هندسة الفوضى وهو ليس دعوة إلى العشوائية ولا تبريرًا لغياب التنظيم بل هو القدرة على التعامل مع الغموض وإدارة التغير وتحويل الفوضى إلى مساحة تسمح للأفكار بالنمو حتى تبلغ صورتها الأكثر نضجًا فالإبداع لا يبدأ بخطوات محسوبة بقدر ما يبدأ بجرأة التجربة والإيمان بأن الطريق يتضح أثناء السير 

وحين نتأمل مكاتب كبار المفكرين ومراسم الفنانين ومختبرات العلماء نجد أوراقًا متناثرة وكتبًا مفتوحة وملاحظات متفرقة قد تبدو للناظر مشهدًا من الفوضى لكنها في حقيقتها تعكس نظامًا داخليًا لا يدركه إلا صاحبه ففي تلك المساحة الحرة تتحرك الأفكار وتتشابك الخبرات وتلتقي الاحتمالات لتولد منها رؤى جديدة لم تكن لتظهر في بيئة تخشى الخروج عن المألوف 

وقد أشارت دراسات في علم النفس إلى أن البيئات الأقل صرامة قد تحفز التفكير الابتكاري لدى بعض الأشخاص لأنها تدفع العقل إلى بناء روابط جديدة بين أفكار متباعدة وهي العملية التي تمنح الإنسان القدرة على رؤية ما لا يراه غيره فالعقل المبدع لا يبحث دائمًا عن الإجابة الصحيحة بل يبحث عن السؤال المختلف الذي يقوده إلى اكتشاف جديد 

لكن الفوضى المقصودة ليست فوضى الإهمال وإنما فوضى البدايات تلك المرحلة التي يولد فيها كل عمل عظيم فالكاتب يبدأ بمسودات متفرقة والرسام بخطوط غير مكتملة ورائد الأعمال بفكرة تتغير مع كل تجربة والباحث بفرضيات قد يسقط معظمها قبل أن يصل إلى النتيجة النهائية وما يبدو ارتباكًا في البداية قد يكون أكثر مراحل العمل خصوبة وإنتاجًا 

غير أن الفوضى لا تصنع الإبداع وحدها كما أن النظام وحده لا يصنعه فبعد أن تشتعل شرارة الفكرة يأتي دور الانضباط ليهذبها ويمنحها شكلها النهائي فالفوضى تفتح أبواب الاحتمالات والنظام يحول تلك الاحتمالات إلى واقع والفوضى تطلق الخيال بينما يمنحها التنظيم القدرة على الاستمرار والتأثير

وفي عالم تتسارع فيه المتغيرات لم يعد النجاح حكرًا على من يلتزم بالخطة حرفيًا بل أصبح من نصيب من يجيد التكيف مع المفاجآت ويحول التعثر إلى فرصة والغموض إلى رؤية والارتجال إلى ابتكار وهنا تتجلى هندسة الفوضى بوصفها مهارة المستقبل لأنها لا تبحث عن طريق خالٍ من العقبات بل تصنع من العقبات نفسها طريقًا جديدًا

ولعل السؤال اليوم لم يعد هل تصنع الفوضى الإبداع بل كيف نحسن هندستها حتى تصبح بداية لكل فكرة تستحق أن ترى النور فبين فوضى البدايات وإبداع النهايات رحلة لا يصنعها النظام وحده ولا العشوائية وحدها وإنما يصنعها عقل يؤمن بالتجربة ويملك شجاعة المحاولة وحكمة التهذيب حتى تتحول الفكرة إلى أثر يبقى
ولعلنا لم نكن بحاجة إلى مزيد من النظام بقدر حاجتنا إلى فهم الفوضى فلا تخشَ الفوضى إن كانت تفتح للفكرة آفاقًا جديدة ولا تقدس النظام إن قيدها 

للتواصل: [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى