ليسوا معك في قبرك… فانشغل بنفسك

✍️أ. د. محمد شايع الشايع – كاتب وأكاديمي بجامعة الملك سعود :
﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ، وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ، وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾
لا يُسرق العمر من الإنسان في لحظة، بل يُنتزع منه على مهل، دقيقةً بعد دقيقة، حتى يلتفت خلفه فلا يجد إلا أعوامًا أنفقها في طرقٍ لم توصله إلى نفسه. ولعل أكثر ما يستنزف الأعمار ليس عناء العمل، بل الانشغال بحياة الآخرين، حتى يغدو بعض الناس شهودًا على تفاصيل لا تعنيهم، وغائبين عن أعمارهم التي تمضي بلا رجعة.
ومن هنا تبدأ رحلة الاستنزاف، فتُصرف الساعات في متابعة الأخبار، وتحليل التصرفات، والبحث في النيات، بدلًا من بناء الذات. فإذا ظهر نجاح، بُحث عما يقلل منه، وإذا ظهر برٌّ بالوالدين، أو صلةٌ للرحم، أُلصقت به التهم، وكأن الفضائل لا تُرى إلا من نافذة الشك. ومع الأيام، لا يتغير الناس بقدر ما يتغير القلب، فيعتاد المقارنة، ويأنس بتتبع العيوب، ويضيق برؤية الخير عند غيره، فتكون الخسارة في النفس قبل أن تكون في الوقت.
إن العقل لا يتسع لكل شيء، والطاقة التي تُهدر في مراقبة الآخرين تُنتزع من رصيد الإنجاز، والإبداع، والتعلم، وإصلاح النفس. ولذلك، فإن أصحاب الأثر لا يُعرفون بكثرة ما يعلمونه عن الناس، وإنما بكثرة ما استثمروه في أنفسهم، لأن من شُغل ببناء رسالته، قلَّ انشغاله بهدم صورة غيره.
غير أن الخسارة لا تقف عند حدود الوقت، فالكلمات لا تنتهي بانتهاء المجالس، وما يُقال في الغائبين لا يذوب في الهواء، بل يبقى محفوظًا حتى يأتي يوم تُكشف فيه الصحائف، ويُرى رصيدٌ ينتقل من صحيفة إلى أخرى، وحسناتٌ تُمنح لمن وُجهت إليهم الألسنة.
وفي الهدي الإسلامي، لم تُبن العلاقة مع الناس على تتبع عيوبهم أو الحكم على نياتهم، بل على إصلاح النفس وصيانة اللسان. قال تعالى، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ، إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ، وَلَا تَجَسَّسُوا، وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾، وبيَّن النبي ﷺ أن المفلس يأتي يوم القيامة بصلاةٍ وصيامٍ وزكاة، وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، فيُعطى هؤلاء من حسناته، فإن فنيت حسناته، أُخذ من سيئاتهم فطُرحت عليه. إنها خسارة لا يدفع ثمنها المال، بل يدفعها رصيد العمر والعمل.
ثم تمضي الحياة إلى نهايتها، ويأتي المشهد الذي تتجرد فيه الحقائق من كل زينة. يُشيَّع الجسد، وتنصرف الوجوه، وتُغلق أبواب المقبرة، ويبدأ طريقٌ لا يصحب فيه قريب، ولا صديق، ولا متابع، ولا خصم. هناك لا يُسأل أحد عن نجاح غيره، ولا عن نيات الناس، وإنما يُسأل كل امرئ عما قدَّم، وعما قال، وعما أفنى فيه عمره. عندها تتضاءل كل المعارك التي استهلكت الأيام، ويظهر أن الطريق كان أقصر من أن يُقضى في عدِّ خطوات الآخرين.
ولهذا، فإن سمو النفس لا يكون بالارتفاع على الناس، بل بالترفع عن الانشغال بهم. أن يُترك الخلق لخالقهم، وأن يُصان اللسان، وأن تُغلق أبواب المقارنات، وأن يُستثمر الوقت في العلم، والعمل، والعبادة، وصناعة الأثر. فالنفوس الكبيرة لا تُعرف بكثرة ما رأت من عيوب الناس، وإنما بكثرة ما أصلحت من عيوبها، وما حملته من سلامة صدر، وحسن ظن، وعمل نافع.
وقبل أن يُسدل الليل ستاره، وقبل أن تُغمض العينان استعدادًا ليوم جديد، ليكن للإنسان موعدٌ ثابت مع نفسه، لا مع الناس. دقائق يسيرة يراجع فيها يومه، أين مضى وقته، وما الذي أضافه إلى عمره، وما الذي استنزفه بلا جدوى، وهل حمل في قلبه عداوة كان يستطيع أن يطفئها، أو كراهية أثقلت روحه، أو كلمة كان الصمت عنها أسلم، أو طاقة أهدرها في تتبع الآخرين بدل أن يجعلها لبنةً في بناء نفسه. فالنفس لا تخفى عليها حقيقتها، وإن حاولت أن تتجمل بالأعذار، وقد لخَّص القرآن هذه الحقيقة بقوله تعالى، ﴿بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ، وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ﴾.
فالناس لن يدخلوا معك قبرك، ولن يجيبوا عنك سؤالًا، ولن يحملوا عنك ذنبًا، ولكنهم قد يقفون يوم القيامة يقتصون من حسناتك إن جعلتهم مادةً لحديثك. فإذا أويت إلى فراشك كل ليلة، فحاسب نفسك قبل أن تُحاسب غيرك، وأطفئ ما في قلبك من عداوة، وأطلق ما في صدرك من كراهية، واسترد وقتك من كل ما لا ينفع، فإنك غدًا ستقف وحدك، ولن يكون معك إلا قلبٌ أصلحته، ولسانٌ حفظته، وعمرٌ أحسنت استثماره، وعملٌ ترجو به رحمة الله.
للتواصل : [email protected]



