منوعات

الإندورفين.. الهرمون الذي يُسكّن الألم ويصنع السعادة

يُعد هرمون الإندورفين واحدًا من أهم المواد الكيميائية التي ينتجها جسم الإنسان طبيعيًا، إذ يعمل كمسكن قوي للألم ومضاد طبيعي للتوتر في آنٍ واحد.

ويؤكد مختصون أن فهم آلية عمل هذا الهرمون يفسر كثيرًا من التجارب اليومية، من “نشوة” الركض الطويل إلى الشعور بالراحة بعد نوبة ضحك حقيقية، وصولًا إلى ظواهر أكثر تعقيدًا ترتبط باضطراب مستوياته.

ما هو الإندورفين؟
يُفرز الإندورفين من الغدة النخامية ومنطقة تحت المهاد في الدماغ، ويعمل في الوقت ذاته كناقل عصبي وهرمون، إذ ينقل الإشارات عبر الدماغ والجهاز العصبي. ويوجد في جسم الإنسان أكثر من 20 نوعًا مختلفًا من الإندورفين بحسب كليفلاند كلينك وجامعة هارفارد، أبرزها البيتا إندورفين الذي يُعد الأقوى تأثيرًا في تسكين الألم، وتشير المصادر الطبية إلى أن تأثيره المسكن يفوق تأثير المورفين نفسه. ويُشتق اسم الهرمون أصلًا من دمج كلمتي “إندوجينوس” (أي ما يُنتَج داخليًا في الجسم) و”مورفين”.

تشرح المصادر الطبية آلية عمل الهرمون بمثال بسيط: عند التواء الكاحل، ترسل الأعصاب في القدم إشارة ألم إلى الدماغ، لكن الدماغ الذي لا يريد للجسم البقاء تحت وطأة الألم طوال فترة الشفاء يحفز إفراز الإندورفين في اللحظة ذاتها لتخفيف حدة الإحساس بالألم مؤقتًا، في آلية تشبه عمل المسكنات الأفيونية لكن من دون آثارها الجانبية.

الضحك في صدارة الأدلة العلمية
من أقوى الأدلة العلمية المباشرة على هذه العلاقة دراسة نُشرت عام 2017 في مجلة Journal of Neuroscience المحكّمة، أجراها فريق من مركز Turku PET الفنلندي بالتعاون مع جامعتي أكسفورد وآلتو. استخدم الباحثون تقنية التصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني “PET” على 12 رجلًا شاركوا في جلسات ضحك جماعي حقيقي مع أصدقائهم، فتبين ارتفاع ملحوظ في نشاط المستقبلات الأفيونية بمناطق الدماغ المسؤولة عن الاستثارة والعاطفة، تحديدًا لدى من يملكون كثافة أكبر من هذه المستقبلات.

وبالتوازي، وثّق الباحث لي بيرك من جامعة لوما ليندا الأمريكية، عبر أكثر من ثلاثة عقود من الأبحاث منذ عام 1988، ارتفاعًا في مستويات الإندورفين وهرمون النمو مرتبطًا بترقب الضحك وتجربته الفعلية، وانخفاضًا في هرمون التوتر الكورتيزول بنسبة تقارب 32%. كما وجد باحثون من جامعة أكسفورد أن الضحك الاجتماعي يرفع عتبة تحمل الألم لدى المشاركين في ظروف مخبرية وطبيعية على حد سواء.

مسارات طبيعية أخرى لرفع مستوى الإندورفين
لا يقتصر تحفيز الإندورفين على الضحك وحده؛ إذ تشير مصادر طبية موثوقة مثل كليفلاند كلينك وجامعة هارفارد إلى أن ممارسة الرياضة، وتحديدًا التمارين الهوائية المعتدلة الشدة، من أكثر الوسائل فاعلية لرفع مستوى الهرمون، وهو ما يُعرف شعبيًا بـ”نشوة العدّاء”.

كما يُسهم تناول الشوكولاتة الداكنة في تحفيز إفرازه بفضل مركبات مثل الفينيثيلامين، بينما يدفع تناول الأطعمة الحارة الدماغ لتفسير الإحساس بالحرارة كنوع من الألم فيستجيب بإفراز الإندورفين، شرط عدم الإفراط تجنبًا لإرهاق المعدة، ويضاف إلى ذلك التدليك والتأمل والوخز بالإبر والاستماع للموسيقى، وجميعها وسائل تعمل عبر تنشيط الجهاز العصبي السمبتاوي أو تحفيز مستقبلات الأفيون في الدماغ مباشرة.

حين يختل التوازن
تكشف أبحاث محكّمة أن اضطراب مستويات الإندورفين له وجه آخر أقل إيجابية، فانخفاض مستوياته يرتبط بزيادة خطر الاكتئاب والقلق وحساسية أعلى تجاه الألم، وهو ما تؤكده دراسات ربطت بين نقص البيتا إندورفين وحالات الألم المزمن كالفيبروميالغيا، كما يوضح باحثون أن الإدمان على المسكنات الأفيونية يحدث لأن هذه المواد تنشط المستقبلات ذاتها التي يستخدمها الإندورفين الطبيعي، لكن بقوة أكبر بكثير، ما يدفع الجسم تدريجيًا لطلب جرعات أعلى.

وفي سياق متصل، تشير مراجعات علمية حديثة إلى أن بعض حالات إيذاء النفس ترتبط بما يُعرف في الأدبيات الطبية بـ”نموذج القصور الأفيوني”، حيث يستجيب الدماغ للألم الجسدي بإفراز الإندورفين، ما قد يُشكّل مع التكرار حلقة تعزيز سلوكي يصعب كسرها دون تدخل متخصص، وتضيف الأبحاث أن الإفراط في ممارسة الرياضة قد يتحول أيضًا، لدى بعض الأشخاص، إلى نمط شبيه بالإدمان سعيًا وراء الشعور نفسه.

ويبقى الإندورفين أحد أهم أنظمة الجسم الطبيعية لإدارة الألم والمزاج، ويمكن لأي شخص تحفيزه يوميًا بوسائل بسيطة وآمنة كالضحك والرياضة والتأمل، لكن مختصين يشددون على أن أي اضطراب مستمر في المزاج، أو شعور بالألم المزمن، أو أي سلوكيات تنطوي على إيذاء النفس، يستدعي استشارة مختص نفسي أو طبي، إذ يبقى الإندورفين عاملًا واحدًا ضمن منظومة أعقد بكثير من الهرمونات والعوامل النفسية والعصبية .

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى