كتاب الرأي

ليدبروا آياته

✍️ يوسف محمد الطامي – كاتب سعودي :

” بسم الله الرحمن الرحيم “
الحمدلله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين:
القرآن الكريم كلام الله المعجز المتعبد بتلاوته،
كتاب مبارك ليدبروا آياته
قراءة القرآن عبادة عظيمه وفيها أجر وحسنات تتضاعف من رب كريم ،وجاء الأمر من الله بقراءة القرآن بتدبر نقرأ لنفهم نقرأ لنرقى لنأخذ العظه والعبرة ونتعلّم كُن كلام الله عزوجل،
وقد ذكر الله في كتابه الكريم قصص كثيره، لنتعلم منها ونقف عند عجائبها ونتفيء في ظلالها،
ومن تللك القصص ما جاء في سورة الكهف التي نقراءها كل جمعة والبعض قد يقراءها بدون ان يأخذ منها العظه والعبرة بدات سورة الكهف بحمد الله تعالى وقصه اهل الكهف الفتيه الذين آمنوا بربهم، ثم أصحاب الجنة الحديقة الغناء، ثم موسى عليه السلام والخضر ثم ذي القرنيين،
وهذه وقفة مع قصه موسى عليه السلام مع الخضر ومافيها من عظه وعبره
﴿قالَ فَإِنِ اتَّبَعتَني فَلا تَسأَلني عَن شَيءٍ حَتّى أُحدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكرًا۝فَانطَلَقا حَتّى إِذا رَكِبا فِي السَّفينَةِ خَرَقَها قالَ أَخَرَقتَها لِتُغرِقَ أَهلَها لَقَد جِئتَ شَيئًا إِمرًا۝قالَ أَلَم أَقُل إِنَّكَ لَن تَستَطيعَ مَعِيَ صَبرًا۝قالَ لا تُؤاخِذني بِما نَسيتُ وَلا تُرهِقني مِن أَمري عُسرًا۝فَانطَلَقا حَتّى إِذا لَقِيا غُلامًا فَقَتَلَهُ قالَ أَقَتَلتَ نَفسًا زَكِيَّةً بِغَيرِ نَفسٍ لَقَد جِئتَ شَيئًا نُكرًا۝قالَ أَلَم أَقُل لَكَ إِنَّكَ لَن تَستَطيعَ مَعِيَ صَبرًا۝قالَ إِن سَأَلتُكَ عَن شَيءٍ بَعدَها فَلا تُصاحِبني قَد بَلَغتَ مِن لَدُنّي عُذرًا﴾ الكهف
يظن الناس أن الخضِر عليه السلام كان رجلا مر في سورة الكهف ثم مضى، لكن أهل البصيرة يعلمون أن الخضر ليس قصة تُقرأ، بل منهج يُعاش، وأن القرآن كله يعلمك كيف تسير مع الله كما سار موسى مع الخَضِر: تسأل، وتتعجب، وتصبر، ثم تكتشف أن وراء الأقدار سرا من الرحمة لم تكن تراه.
في الفاتحة تتعلم أن تبدأ بالهداية قبل الفهم، فكم من قلب أراد أن يفهم الطريق قبل أن يسلكه.
وفي البقرة تسمع النداء الخفي: «وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خيرلكم»،
فتدرك أن السفن تُخرق أحياناً لتنجو.
وفي آل عمران تعلم أن الانكسارات ليست دائماً هزائم، فقد يربي الله قلبك بجراح لم تستطع النعم أن تربيه بها.
وفي يوسف ترى البئر يتحول إلى عرش، فتفهم أن الله يكتب النهايات الجميلة بحبر من الابتلاء.
وفي هود يبني نوح سفينته تحت سخرية الناس، فتتعلم أن الطاعة لا تنتظر تصفيقا.
وفي يونس يبتلع الحوت نبيا، ثم يخرجه الذكر إلى النور، فتدرك أن أبواب الفرج تُفتح بمفاتيح العبودية.
وفي مريم تهز الضعيفة جذع النخلة، لا لأن النخلة تحتاج هزه، بل لأن الله يحب أن يرى منك الأخذ بالأسباب.
وفي طه يطمئن الله موسى:
﴿لَاتَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا}
وكأن كل طريق مجهول لايحتاج أكثر من هذا الوعد.
ثم تأتي سورة الكهف فتفتح لك باب مدرسة الخَضِر كلها: لا تحكم على الحدث من أول مشهد، ولا على القدر من أول صفحة، فكم من خرق كان رحمة، وكم من منع كان عطاءً، وكم من هدمٍ كان بناء.
وفي القصص يخرج موسى خائفا، ويعود نبيا، لتعلم أن الله يصنع الرجال في طرق التيه. ” صناعة على عين عناية ورعاية الله ،
وفي العنكبوت تعلم أن الإيمان ليس كلمة تُقال، بل صدق يُمتحن.
وفي الروم ترى الهزيمة تتحول إلى نصر، فتتعلم أن الليل لا يملك أن يمنع الفجر.
وفي النور تدرك أن الله يبرئ المظلوم ولو بعد حين، وأن الحقيقة لا تموت وإن طال عليها الغبار.
وفي الفتح تتعلم أن بعض الفتوح تأتي في صورة تأخير، وأن بعض المنع هو عين العطاء.
وفي الحجرات تتأدب مع الخلق، لأن القلب الذي لا يحسن الأدب مع عباد الله لا يحسن السير إلى الله.
وفي الرحمن تتعلم أن تعد النعم وأنت في وسط البلاء، فلا يسرق منك الألم شهود الجمال.
وفي الحديد تفهم أن الدنيا ظل زائل، فلا تفرح بها فرح الغافلين، ولا تحزن عليها حزن المنقطعين.
وفي الضحى يهمس الله لكل قلبٍ ظن أن السماء نسيته:
﴿مَاوَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾فتجبر
وفي الشرح يعلّمك أن اليسر لا يأتي بعد العسر فقط، بل يسير معه.
وفي العصر يختصر لك الطريق كله: إيمان، وعمل، وصبر، وتواصٍ بالحق.
ثم تختم الرحلة بـ الإخلاص، فتعلم أن كل الطرق تنتهي إلى بابٍ واحد: الله. وأن سر البداية والنهاية واحد
هكذا يقرأ أهل الذوق القرآن؛ لا سورا” متفرقة، بل خيوطا من نور تنسج في القلب منهج الخَضِر: أن تمشي مع الله مطمئنا”، ولو لم تفهم كل شيء، لأنك تعلم أن وراء كل قدرٍ ربا” رحيما”
، ووراء كل تدبير حكمة
لا تخيب.
والحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى