كتاب الرأي

غيمةُ الجِنّ

      ✍️ سمير الفرشوطي – كاتب سعودي :

كبرنا وبين أعيننا ظلالٌ تتحرك في زوايا الذاكرة كبرنا ونحن نستمع لقصصٍ لم يكن يُقصد بها التسلية، بقدر ما كانت تُشعل الخوف في قلوب الصغار. قصصٌ تُروى عن مخلوقاتٍ خفية، لا تُرى ولكن يُشعر بها عن عالمٍ يحيط بنا دون أن ندرك حدود حضوره.
كان الحديث عن الجنّ يهبط على مسامعنا كقطرة باردة في ليلٍ دامس. كلّ حكاية تغرس في النفس رهبة جديدة، حتى أصبحت الطفولة معلّقة بين الخيال والخوف. ومع ذلك، لم تكن تلك القصص وهماً؛ فقد جاء ذكرهم في القرآن الكريم، ليكشف حقيقة وجودهم:
﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾
آية تحمل هيبتها الخاصة تذكّرنا بأن هناك مخلوقات تسمع، وتعقل، وتتحرك بين جنبات الكون بصمتٍ لا يفهمه البشر.
ومع مرور السنين، تبقى بعض اللحظات محفورة لا تزول… لحظات يتلاشى فيها المنطق، ويبدأ كل شيء حولك في ارتداء قناعٍ غريب لا تفسير له.
أتذكّر يوماً حين كانت أسواق السيارات تجوب المزارع القديمة. كانت الطرق ضيقة، يعبرها الهواء مثل همسةٍ غامضة. تقدّمت بسيارتي بين الأشجار، وفجأة توقّف المحرك بلا مقدمات، وكأن قوة خفية أسكتته. نزلت أحاول دفعها كما كنّا نفعل قديماً، والليل حولي كثيف كالغبار.
وبين صفوف النخيل ظهر رجلٌ كبير في العمر، يمشي بثبات لا يشبه حركات البشر. كانت ملامحه غير واضحة، وصوته خافت حين قال:
ما الذي أصاب السيارة
أجبته: “توقفت فجأة.
اقترب أكثر، بعينين لا يمكن تحديد لونهما، وقال:
اركب سأدفعها لك. وعندما أقول انكش، افعل فوراً.
ركبتُ المقعد، وبدأ بدفع السيارة. لكن القوة التي كان يستخدمها لم تكن طبيعية رجلٌ بتلك السن يدفع المركبة كأنها قطعة ورق
ثم ارتفع صوته من خلفي:
انكش
فعلت ذلك، فاهتز المحرك واشتعل بسرعة مرعبة. لم تمر ثوانٍ حتى تكرر الصوت
انكش
لكن هذه المرة كان الصوت أقرب أقرب بكثير مما يجب.
ارتفع عداد السرعة بسرعة جنونية حتى وصل ثمانين، والسيارة تنطلق دون أن أضغط على شيء. نظرت في المرآة الخلفية… فلم أجد أحداً. لا رجل. لا ظل. لا أثر.
فقط صوت يتردد داخل المقصورة، كأنه يلتصق بجدرانها:
انكش انكش
تجمّد الدم في عروقي. شعرتُ بأن الهواء داخل السيارة أصبح أثقل، وكأنني لست وحدي. بدأت أرتجف، وأردد آيات من القرآن الكريم بصوتٍ متسارع، وكلما رفعت صوتي، خفّ الصوت الغريب حتى تلاشى.
توقفت السيارة فجأة، كما لو أن شيئاً كان يمسك بها ثم تركها في لحظة. نزلتُ منها وأنا لا أزال أتنفس بسرعة، أحدّق في الطريق الخالي، وأبحث عن الرجل الذي ساعدني… لكن الأرض كانت صامتة، والمزارع غارقة في سكونٍ مخيف.
منذ ذلك اليوم، أدركت أنّ غيمة الجنّ ليست مجرد حكايات تُروى للأطفال… بل لحظات تقترب فيها العوالم، يختلط فيها المرئي باللامرئي، ويصبح الإنسان شاهداً على ما لا يستطيع تفسيره.
وتظل تلك الغيمة معلّقة في الذاكرة
تمرّ أحياناً كالريح، وتعود أحياناً كالكابوس، لتذكّرنا بأن بيننا عالماً لا نراه… لكنه يرانا جيداً

[email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى