كتاب الرأي

القوانين الهرمسية

✍️ مها الشاعر _ كاتبة سعودية :

يقال ؛ “الحكمة تجدها عندما تكون جاهزاً لها”.
ـ
وما الحكمة إلا صنيعة العقل، والذي تقوم عليه جميع قوانين هرمس أو ما تعرف بالقوانين الكونية السبعة.
حيث تنص الهرمسية على أن الأساس الذي بني عليه هذا الكون هو الفكرة والفكرة مصدرها العقل، والمبدأ هنا هو أن الله جل في علاه هو “العقل” لهذا الكون ، أو بمعنى أصح بمنظورنا الإسلامي ، أي أنه هو الخالق المدبر والمسخر والمسبب لكل ما يحدث في هذا الكون.
ومن هذا المنطلق يمكن أن تسخر هذا القوانين السبعة، والقائمة على مدى تأثير الفكرة في كل أمور حياتنا، بتفاصيلها المادية والروحية ، والفكرة منشأها العقل.
وكيفما يعمل العقل لدينا، إما سيظهر انعكاسه فيما يحدث لنا، أو سنعرف كيف نستطيع أن نتعاطى ونتفاعل مع ما يحدث حولنا، وكيف نوازن ما بين طاقتنا وطاقته، ذبذباتنا وذبذاته، وكيف نتماشى ونتوافق مع سير الإيقاع الناتج عنهما، والسببية والقطبية وبقية القوانين الأخرى.
هرمس الهرامسة أو “مثلث العظمة”، يقال بأنه شخصية حكيمة أسطورية نُسجت ما بين الحقيقة والخرافة، حصل على كثير من العلم والمعرفة في كينونة الخلق والفلك والخيمياء، و ينسب إليه كتاب “متون هرمس”، ويختلف بإختلاف المرجعيات الثقافية والدينية.
فعند الإغريق هو هرمس، وعند المصريين هو ثوث أو تحوت، وقيل بأنه هو نبي الله إدريس عليه السلام عند المسلمين والذي أتى بالصحف .
ولُقِّب بمثلث العظمة وذلك لأنه جمع بين ثلاثية ؛ الحكمة والنبوة والملك.
وقيل أيضا لأنه وصف الله بثلاث صفات وهي الوجود والحياة والحكمة.
وأيضاً لأنه ظهر في ثلاثة تراثيات كبرى بثلاث تجليات كما ذكرنا سابقاً: آخنوخ وإرميس وإدريس.
والهرمتيكا أتت من الاسم هرمس، وكان يتم تناقلها شفهياً، ويحرم تدوينها بالكتابة حتى يتم حمايتها من التحريف والزيادة عليها، حتى أتى أشخاص مجهولين وقاموا بإعادة صياغتها وترتيبها وكتابتها في كتاب “الكابليون” The Kybalion ، واطلقوا على أنفسهم مسمى “المبتدؤن الثلاثة” .
ماهي القوانين السبعة وكيف تعمل؟ ..
١- قانون العقلانية: والذي ينص على أن الكون بأكمله ما هو إلا نتاج تكوين عقلاني، أي أن الكون موجود لأن الفكرة وجدت من قبل في عقل الخالق “ولله المثل الأعلى سبحانه” .
و المبدأ في هذا القانون هو بأن كل شيء موجود في محيطك ماهو إلا نتاج فكرة سابقة في العقل لديك، قد تكون بوعي منك أو بغير وعي.
وهنا مربط الفرس، وأن ليس كل فكرة عابرة قد تشكل واقع، ولكن المبدأ هنا هو أن العقل الواعي بمثابة لاقط للأفكار، فمنها ما هو عابر ولن تكون ذات أثر، ومنها ما تستمر أنت في خلق صورة له في العقل باستمرار، ومن هنا تنتقل من العقل الواعي إلى اللاواعي “الباطن”، ومن ثم تنتقل العملية إلى الدماغ، وعندها يقوم بتشكيل صورة لها، أو خلق سيناريو لهذه الفكرة، ومن ثم تتحول إلى طاقة تنتقل وتصبح واقع، وتتشكل لنا بصورة أو بأخرى.
٢- قانون الترابط أو التناظر: وفيما نصه بأن كما في الأعلى هو في الأسفل، ما هو في الخارج كذلك الشيء نفسه في الداخل وهكذا .
و التطابق أو التناظر هنا لا يعني تطابق حرفي بالشكل، وإنما تطابق في النمط، مثلاً أن تشعر بالسعادة على نطاق المدى الروحي، فبالتالي تتشكل لديك ظروف مشابهة لهذا النمط غالباً، أي أن هناك أمر يحدث في البعد المادي، إذاً هناك شيء مماثل له على البعد الروحي، دون أن تستشعر أنت ذلك، والعكس صحيح.
٣- قانون الإهتزاز أو ما يعرف بالذبذبات: فيزيائياً كل شيء في هذا الكون هو في حالة حركة دائمة وتشكل مستمر حتى وإن كان جسيم ساكن، وكل شيء له ذبذبات أو طاقة اهتزاز، ولها تأثيرها العالي في ذاتها أو على محيطها.
ويمكن أن نرى هذا القانون في أبسط صورة وأكثرها متعارف عليها .. كيف ذلك ؟
قد يدخل شخصان إلى نفس المكان بالتتابع، أحدهما بمجرد دخوله يشعل المكان بهجةً وسروراً، بينما الآخر على العكس تماماً، دون أن يتصرف كل منهما بطريقة مختلفة عن الآخر.
وهذا ما يعرف بتأثير الذبذبات أو طاقة الإهتزاز، فلكل منهما نمط من التفكير والمشاعر والدوافع والنوايا وغيره من السرائر الشخصية، فبالرغم من إنها جميعها ساكنة وغير مرئية مالم يتم التعبير عنها، إلا أنها تحمل ذبذبات أو ما يعرف بطاقة الاهتزاز، فتنعكس على ما حولها بحسب شدتها وانخفاضها.
يقال في الهرمسية ” من يفهم مبادئ الاهتزاز، يمسك بيديه عصا القوة والتحكم”.
أي أنه متى ما أدركت قيمة الذبذبات التي تصدر منك، سيساعدك هذا على ضبطها موازنتها لخلق بيئة مشابهة في الخارج تحمل نفس درجة الإهتزاز، ونفس البعد الطاقي للذبذبات، أو لمساعدتك على معرفة كيفية موازنة تفاعلك مع ما يحيط بك، سلباً أو إيجاباً دون أن تسمح له أن يترك أثراً عليك.
٤- قانون القطبية: لكل شيء في هذا الكون قطبان، يطلق عليهما المشابه أو المغاير، وهما متضادان يحملان المفهوم نفسه لتوجهان مختلفان، وهذا مما يدل على أن للحقيقة دائماً وجه آخر، وأن جميع الحقائق التي نعرفها ماهي إلا أنصاف حقائق ما لم تكتمل الصورة لدينا.
ويتمثل هذا في تضاد الخير والشر ، النور والظلام، القوة والضعف، الليل والنهار، المذكر والمؤنث .. وإلى آخره من المتضادات اللانهائة.
” اقضي على ما تكرهه من خلال تغيير قطبيته” ..
مثلاً : لتغيير الحالة المزاجية وحالتك الذهنية، غير اهتزازك ، أي غير طريقة تفكيرك ونظرتك للأحداث ، فبعض الأمور التي قد تحدث لنا، نعم ظاهرها الشر، والمبدأ هنا كيف تبحث عن مركز الخير في هذا الأمر والعكس صحيح. فمعرفة المتضادات تسهل الخروج من حالة إلى أخرى، أو من ظرف إلى آخر وهكذا ..
“العقل كالمعادن والعناصر يمكن تغييره من حالة إلى أخرى، من درجة إلى أخرى، من قطب إلى آخر، من اهتزاز إلى آخر”.
٥- مبدأ الإيقاع: كل شيء في هذا الكون يعمل بإيقاع معين بشكل موجي مستمر التدفق، وهذا مما يؤكد حقيقة نظرية أن الثابت في هذا الكون هو التغيير، فلا شيء أبداً يمكن أن يبقى على حالة واحدة إلى الأبد .
الصعود يقابله هبوط، الاستمرارية يقابلها توقف، الحياة الموت، المد الجزر .. وهكذا .
فلا شيء في هذه الحياة يمكنه أن يسير على وتيرة واحدة، وعليه نتعلم كيف نوطن أنفسنا على كيفية السير والتماهي مع هذا الإيقاع ، بتناغم وانسجام وتقبل، وذلك لأن هذه فطرة الله التي خلق الكون عليها، سواء وافقت أهواءنا ورغباتنا أم لم تتوافق معها.
“﴿ لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ۗ ﴾ [ الحديد: 23 ]..
وهنا نتعلم الموازنة بين طاقة المتناقضات، فلا إسراف في فرح، ولا إغراق في حزن، فجميعها غير دائم، ولكل منها طاقة ارتداد بنفس القدر.
٦- مبدأ السبب والنتيجة:
كل ما يحدث في حياتك هو نتيجة لسبب، فما هو هذا السبب!؟..
هذا السبب كما تنص عليه الهرمسية هو فكرة خزنت في العقل الباطن ، وتشكلت وظهرت على أرض الواقع في وقت لاحق.
ومبدأ السبب والنتيجة يقول بأن ليس هناك شيء يحدث من باب الصدفة، فالصدفة ليست سوى قانون لحالة ذهنية لم ندرك اسمه وطريقة عمله بعد.
فكل ما يحدث لنا هو نتيجة سلسلة من الأفكار أو الأفعال الواعية أو اللاواعية.
والهدف من قانون السبب والنتيجة هو مساعدتنا في الإنتباه، على ماذا نفعل، وكيف نفعل، وما الذي يدور في أذهاننا باستمرار؟
ومن ثم محاولة تقويمه ومحاولة تسخيره لخلق صور ذهنية تشبه ما نريد الحصول عليه، لا العكس.
٧- مبدأ الجنس أو النوع:
ويستدل كثيراً من الدارسين لهذا القانون بقوله تعالى ” ( وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) الذاريات/ 49
” تقتضي أن كل ثمرة موجود منها نوعان، فإن اتفق أن يوجد في ثمرة أكثر من نوعين فغير ضار في معنى الآية، ويقال: إن في كل ثمرة ذكراً وأنثى” انتهى من ” تفسير ابن عطية ..”
وهذا ليس بالمعنى الصورة النمطية للأزواج من الشيء الموجود في أذهاننا.
ولكن المقصود هنا في القانون هي الثنائية التي تحمل طاقة الذكورة والأنوثة .
ولعل من أبرز الأمثلة التي يمكن تطبيقها على هذا المبدأ، هو طريقة عمل الدماغ، فالشق الأيمن من الدماغ والمسؤول عن العاطفة والمشاعر والإبداع، والذي يتعامل مع جميع الأشياء كمترابطات، فهو يمثل طاقة أنوثة.
بينما الشق الأيسر المسؤول عن التحليل والمنطق والتفكير ، والذي يتعامل مع كل شيء بطريقة منفصله، هنا يمثل طاقة الذكورة.
وهذا يدل على أن؛ حتى يصل الإنسان إلى مرحلة الإتزان الفكري بغض النظر رجل أو امرأة، لابد من الوصول إلى توازن ما بين عمل كلاً منهما بطاقتهما الذكورية والأنثوية، ويعرف متى يرجح أحدهما على الآخر، ومتى يلغي ويخفض من طاقته أو عمله.
وينطبق هذا القانون على كل ماهو موجود في الكون من حولنا، ووجود كلتا الطاقتين معاً، وبأنها تنخفض وترتفع حسب طبيعة الحال والموقف والمبدأ.

الهدف من هذه القوانين هو الوصول لمرحلة من التقبل والإنسجام والتناغم مع كل ما يدور حولنا، وكيفية التفاعل معه بطريقة أكثر إيجابية قدر المستطاع ، وكيفية تحوير بعض الأمور وتسخيرها للعمل لصالحنا عن طريق فهم أنفسنا أولاً، ومن ثمّ فهم ما حدث، وكيف نصل لمرحلة التوازن في ردات الفعل والتعاطي معه.

*سلطان العقل*
كما هو معروف بأن هرمس أسس نظريته على ثلاث مستويات من الوعي ؛
ابتداءً بالوعي المادي، فمن يغرق في تتبع شهواته ورغباته، وتحقيق المصالح الدنيوية دون غيرها، ويغرق في الوعي المادي فقط ، و يبحث عن النجاح الزائف ، والغايات المادية دون السمو والإرتقاء بالنفس، وتسخيرها لما يجب أن تكون عليه، يصبح عبداً وأسيراً لهذا العالم المادي، فيبقى كما هو دون أي قيمة أو أثر.
أما الإنتقال للوعي العقلاني ، هنا يبدأ يبحث المرء ويتساءل عن الوجود، والغاية منه، وما معنى الحياة ، الأولى والأخرى ، كلاً حسب مفهومه الديني ومعتقداته.
فيبدأ يرتقي إلى مستوى أعلى، ويبدأ بتنظيف عالمه، وداخله قبل ذلك، من الشرور والطاقات السلبية، من غل وحقد وحسد، وتنافسية ممغوتة، وبحث عن العلو الزائف، والتعلق، والغضب ، وأمراض القلوب، وكل ما لا يحمد من السلوكيات المنبوذة والذميمة، عقائدياً ومجتمعياً .
ويتجه إلى عالم متزن ، يعرف متى يقف، ومتى يستمر، أين يبقى، ومن أين يجب أن يرحل، ما الذي يضيفه عليه هذا الأمر ، وما الذي سيسلبه إياه، لماذا أنا هنا ، ولما لست هناك، كيف أفعل هذا الأمر ، ولما أفعله ، أو ماذا لو لم أفعل .. وهلم جرا من هذه التساؤلات العقلية، التي تعيد تنظيم وصياغة كل المفاهيم والسلوكيات القائمة عليها وما الهدف منها.
ومن ارتقى بعقله ارتقت روحه، وهنأت معيشته، وأدرك السعادة وأسبابها، وسبل الراحة وأبوابها، وعرف كيف يخلق من الألم أمل، ومن الشر كيف يطرق باباً للخير، ومن الحزن سلوىً وهدى، تهذب النفس وتعيدها إلى ماهيتها واتزانها، ومن ثم انتقل هنا إلى المستوى الأعلى والأسمى من مستويات الوعي ألا وهو الوعي الروحي.
فقوة الروح ما هي إلا تبعاً لقوة في العقل وفي الفكر، لذا كانت جميع القوانين السبعة تنص على تقويم طريقة عمل العقل، لأن للعقل سلطان إن غلب .. سلم المرء وربح.
ـ
أيها الغرُّ إن خُصصَتَ بعقلٍ
فاسألنّه .. فكلُّ عقلٍ نبِيُّ ..
ـ
أبي العلاء المعري

[email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى