الأخبار المحلية

المندق.. أولى عواصم الباحة وأيقونة سراة زهران

تقرير وإعداد : فاطمة الغامدي : 

تُعد محافظة المندق إحدى أبرز محطات التاريخ الإداري والثقافي في منطقة الباحة، فهي ليست مجرد مدينة في سراة زهران، بل كانت أول نواة للإدارة في المنطقة، وتحمل اسمًا له دلالات لغوية مثيرة، وموقعًا استراتيجيًا في قلب الجبال الخضراء، جعل منها حلقة وصل بين الماضي والحاضر.

أصل الاسم ودلالاته

جاء اسم المندق بفتح الميم وسكون النون وفتح الدال، وهو اسم لم يرد في مصادر البلدانيين القدامى مثل أبي عبيد البكري أو ياقوت الحموي. وقد تعددت الآراء في اشتقاقه:
• الرأي الأول: أن وزنه “مَفْعَل” من الفعل ندق أو من الجذر المحوّر نتق الذي يعني الجذب، وهو ما رجحه العلامة حمد الجاسر في كتابه سراة غامد وزهران. ويرى أن التاء والدال كثيرًا ما يتعاقبان في اللغة.
• الرأي الثاني: أن يكون الاسم مُحرفًا من “مُنْدَق” أي اسم فاعل من الفعل اندقّ بمعنى كُسر أو رُكز في الأرض، ثم خفف في النطق ليصبح “المندق”.

وكلا الرأيين يحتمل الصواب، ما يمنح الاسم بعدًا لغويًا مميزًا يعكس التحوير الصوتي والصرفي في لهجات المنطقة.

الأهمية الإدارية والتاريخية

تعود أهمية المندق إلى أنها أول مركز إداري لما يُعرف اليوم بمنطقة الباحة. ففي عام 1353هـ (1934م) صدر الأمر الملكي رقم (165) بإنشاء “إمارة زهران” في المندق، وضمت القبائل التي كانت تابعة لإمارات الطائف والقنفذة والليث.
لكن بعد خمسة أيام فقط، صدر أمر ملكي آخر بنقل مقر الإمارة إلى الظفير. ورغم ذلك، احتفظت المندق بمكانتها، إذ أُنشئ فيها مركز إمارة عام 1356هـ، تطور لاحقًا إلى محافظة فئة (أ) بموجب نظام المناطق الصادر عام 1414هـ.
هذا الإرث الإداري يجعل من المندق اللبنة الأولى في بناء الكيان الإداري لمنطقة الباحة.

الموقع والجغرافيا

تقع المندق على بُعد 45 كيلومترًا شمال غرب مدينة الباحة، وتكتسب أهميتها من تمركزها في وسط سراة زهران، وقربها من بلاد دوس التاريخية.
تمتاز بتضاريسها الجبلية الشاهقة، حيث تنتشر الغابات الطبيعية والأودية العميقة مثل وادي برحرح ووادي تربة، فيما تزينها غابات خضراء من أبرزها غابة الخلب المطلة على المدينة من الشمال الغربي.

الحياة الاجتماعية والاقتصادية

يُقام في المندق سوق أسبوعي كل يوم سبت منذ مئات السنين، إضافة إلى أسواقها اليومية التي شكّلت مركزًا اقتصاديًا واجتماعيًا للقبائل. وسكانها من قبيلة بني كنانة من زهران.

كما تشتهر بزراعة الرمان والعنب، بفضل مناخها المعتدل صيفًا والبارد شتاءً، ما جعلها من أجمل مصايف جنوب المملكة.

التراث والآثار

تضم المندق العديد من القلاع والحصون القديمة التي تعكس أصالة تاريخها، فضلًا عن انتشار الأشجار العريقة مثل العرعر والطلح والعتم. وتبقى طبيعتها البكر علامة مميزة، حيث تمتزج الذاكرة التاريخية مع المشهد الطبيعي.

الحاضر والمستقبل

تشهد المحافظة اليوم تطورًا في البنية التحتية من تعليم وصحة وطرق، مع حرص أبنائها على الحفاظ على طابعها التراثي والثقافي. وبفضل جمال طبيعتها واعتدال مناخها، أصبحت وجهة سياحية بارزة في منطقة الباحة، تجذب الزوار الباحثين عن الأصالة والهدوء . 

✦ المندق إذن ليست مجرد مدينة، بل هي ذاكرة المكان، وأول عاصمة إدارية للباحة، وواحة طبيعية ساحرة، ومرآة لتراث سراة زهران العريق

عبدالله الحايطي

مؤسس ومالك صحيفة عنوان الأخبارية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى