لماذا نستذكر ميلاد ولي العهد؟

✍️ د. سعيد بن عبدالله آل جفشر – كاتب رأي :
ميلاد الإنسان في ذاته لا يقدّم ولا يؤخّر، فملايين البشر يولدون في كل يوم، وتمضي تواريخ ميلادهم أرقامًا في السجلات والوثائق، لكن بعض الرجال يجعلون من حياتهم بعد ذلك ما يدفع الناس إلى العودة إلى البدايات، وتتبع مفردات العمر، واستحضار المحطات؛ لأن ما صنعوه لم يعد شأنًا شخصيًا، بل أصبح جزءًا من تاريخ وطن وذاكرة أمة.
ومن هنا يأتي التساؤل: لماذا نستذكر ميلاد صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء؟
لسنا أمام مجرد تاريخ لميلاد رجل، وإنما أمام بداية حياة أصبح صاحبها بعد عقود في قلب مرحلة من أهم مراحل التحول في تاريخ المملكة العربية السعودية الحديث. وعندما يصنع الإنسان من المجد والمنجز والأثر ما يتجاوز حدود حياته الخاصة، تصبح تفاصيل سيرته محل اهتمام المؤرخ والباحث، ويصبح الميلاد نقطة البداية في قراءة رحلة صنعت أحداثًا وتحولات كبرى.
فالتاريخ لا يهتم بميلاد العظماء لمجرد أنهم وُلدوا، وإنما لأن ما حدث بعد ذلك منح يوم ميلادهم معناه. نحن نعرف تواريخ ميلاد كثير من القادة والمصلحين وأصحاب التحولات الكبرى في التاريخ؛ لا لأن الميلاد في ذاته إنجاز، بل لأن ما قدموه بعده جعل الباحث يعود إلى الصفحة الأولى من حياتهم، محاولًا فهم تكوينهم ومسيرتهم ومراحل صعودهم والأفكار التي صنعت أثرهم.
وهكذا يمكن النظر إلى ميلاد الأمير محمد بن سلمان عام 1985م؛ فهو التاريخ الذي بدأت منه رحلة شخصية ارتبط اسمها لاحقًا بأحد أكبر مشروعات التحول الوطني في تاريخ المملكة المعاصر. وقد تولى سموه ولاية العهد عام 2017م، ورئاسة مجلس الوزراء عام 2022م، إلى جانب رئاسته لمجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية وصندوق الاستثمارات العامة.
لكن الأهم من المناصب هو الأثر.
ففي عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، ارتبط اسم ولي العهد برؤية المملكة 2030 التي انطلقت في 25 أبريل 2016م، لتؤسس لمسار تحول اقتصادي وتنموي واجتماعي واسع، يقوم على تنويع الاقتصاد، وتنمية القدرات الوطنية، واستثمار مكامن القوة والفرص التي تمتلكها المملكة. وبعد عقد تقريبًا من انطلاقها، باتت التحولات التي أحدثتها الرؤية واقعًا يمكن قراءته في الاقتصاد والتنمية والخدمات والاستثمار والمشروعات الكبرى وحضور المملكة الدولي.
ولهذا، فإن استذكار ميلاد ولي العهد ليس احتفاءً برقم في تقويم، بقدر ما هو مناسبة لاستحضار رحلة رجل ارتبط اسمه بمرحلة وطنية كاملة؛ مرحلة رفعت سقف الطموح، واختصرت الزمن، ودفعت بالمملكة إلى مساحات جديدة من الحضور والتأثير والمنافسة.
لقد أصبح مفهوم الطموح في الخطاب الوطني أكثر اتساعًا، وتحولت كثير من الأحلام التي كان يُنظر إليها يومًا باعتبارها بعيدة المنال إلى مشروعات وبرامج ومستهدفات يجري تنفيذها ومتابعتها وقياس نتائجها. وبعد مرور عقد على مسيرة الرؤية، أصبح ما تحقق دافعًا لمواصلة الجهود وتعزيز المكتسبات واستدامة أثرها.
وهنا تتجلى قيمة استذكار البدايات.
فحين يكون الإنسان عاديًا، يبقى تاريخ ميلاده شأنًا شخصيًا يخص أسرته ومن يحبونه. أما حين يسهم في صناعة مرحلة من تاريخ وطنه، فإن سيرته تتحول إلى مادة للتاريخ، ويصبح من الطبيعي أن يبحث الناس في نشأته وتعليمه وتجاربه وبداياته ومواقفه وقراراته؛ ليس فضولًا في تفاصيل الحياة، بل بحثًا عن تفسير لكيفية تشكل الشخصية التي أسهمت في صناعة ذلك الأثر.
وسوف يأتي مؤرخو المستقبل إلى هذه المرحلة، كما أتينا نحن إلى مراحل سابقة من تاريخ الدولة السعودية، فيقرأون القرارات والمشروعات والخطط والأرقام والتحولات، ويتوقفون عند الرجال الذين صنعوا الحدث. وعندها لن يكون ميلاد القائد تفصيلًا منفصلًا، بل الصفحة الأولى من سيرة طويلة ستُقرأ في سياق تاريخ المملكة وتحولاتها.
ولعل أجمل ما يمكن أن يقال في ذكرى الميلاد: إن قيمة العمر لا تقاس بعدد سنواته، وإنما بما أودعه صاحبه فيه من عمل وأثر. فهناك أعمار طويلة تمر بهدوء ولا تترك وراءها إلا أسماء أصحابها، وهناك أعمار تختصر في سنواتها عقودًا من العمل والتحول، حتى يصبح صاحبها شاهدًا على عصر، وصانعًا لجزء من ملامحه.
لهذا نستذكر ميلاد ولي العهد.
لا لأن يوم الميلاد صنع المجد، وإنما لأن المجد الذي جاء بعده أعطى لذلك الميلاد مكانه في الذاكرة.
ولا لأن تاريخًا في السجل يستحق أن نتوقف عنده بذاته، وإنما لأن الرجل الذي بدأ عمره من ذلك التاريخ أصبح اليوم أحد أبرز صانعي تاريخ وطنه ومستقبله.
وحين يصنع الإنسان تاريخًا، يصبح من حق التاريخ أن يعود إلى يوم ميلاده، لا ليعدّ سنوات عمره، بل ليقرأ منذ الصفحة الأولى كيف بدأت حكاية الأثر.



