ماذا فعلتَ بالأداة

✍️خلف سرحان القرشي- كاتب رأي :
من أكثر الأسئلة التي نسمعها هذه الأيام بعد قراءة نص جميل أو مقالة محكمة: هل كتبها صاحبها فعلًا، أم كتبها الذكاء الاصطناعي؟
وأحيانًا لا نحتاج حتى إلى جمال النص كي نشك. تكفي جملة مرتبة أكثر مما ينبغي، أو استعارة لامعة، أو خاتمة مصقولة، حتى يطل السؤال برأسه. وكأن إتقان الكتابة أصبح، للمفارقة، سببًا للشك في صاحبها.
لكنني أتساءل: إلى متى سيظل هذا السؤال مهمًا؟
هل سيجلس قارئ بعد ثلاثين عامًا أمام رواية ويسأل عن الجمل التي كتبها المؤلف بيده، وتلك التي اقترحتها عليه الآلة؟ أم أن الأجيال القادمة ستنظر إلى انشغالنا بهذا السؤال كما ننظر نحن اليوم إلى أسئلة رافقت تقنيات قديمة ثم فقدت أهميتها؟
لا أعرف. لكنني أظن أننا لا نعيش أزمة كتابة بقدر ما نعيش أزمة في تعريف الكاتب نفسه.
فالكاتب، طوال قرون، كان الشخص الذي يجلس أمام الورقة ويستخرج الكلمات من رأسه كلمة كلمة. ثم جاءت الآلة الكاتبة، والحاسوب، وبرامج التدقيق، ومحركات البحث، والقواميس الإلكترونية، وبرامج الترجمة. ولم يعد أحد يسأل الكاتب: كم مرة فتحت القاموس وأنت تكتب؟ وكم معلومة وجدتها في كتاب، وكم واحدة عثرت عليها عبر محرك بحث؟
لكن الذكاء الاصطناعي مختلف
هذه المرة لا تناوله الأداة معلومة فحسب؛ قد تناوله جملة، أو تقترح عليه فقرة، أو تعيد بناء مشهد، أو تغير نهاية قصة، بل تستطيع أن تكتب القصة كلها إذا طلب منها ذلك.
لقد اقتربت الأداة من منطقة كنا نظن أنها تخص الإنسان وحده: اللغة.
وربما لهذا خفنا منها.
ومع ذلك، أظن أن السؤال الذي يشغلنا اليوم: «هل كتب هذا النص بالذكاء الاصطناعي؟» لن يبقى طويلًا بصورته الحالية.
سيأتي جيل لا يرى في الاستعانة بالذكاء الاصطناعي حدثًا يستحق السؤال أصلًا. سيولد أفراده وهذه الأدوات حولهم، ويستخدمونها كما نستخدم نحن التصحيح الإملائي ومحركات البحث دون أن نتوقف كل مرة لنسأل أنفسنا عن معنى ذلك.
وقد يصبح سؤالهم مختلفًا:
ليس: «هل استخدمت الذكاء الاصطناعي؟»
بل: **«ماذا فعلتَ به؟»**
وهنا، في رأيي، تبدأ المسألة الحقيقية.
فليس متساويًا من يكتب للآلة: «اكتب لي قصة عن الفقد»، ثم يأخذ ما ظهر أمامه وينشره باسمه، ومن عاش تجربة الفقد، وتأملها طويلًا، وبنى شخصياتها واختار زاوية النظر إليها، ثم استعان بأداة ذكية يناقش معها البناء أو يجرب نهاية أخرى.
الأداة واحدة، لكن المؤلف ليس واحدًا.
والمسألة، في النهاية، ليست في وجود الأداة بقدر ما هي في مقدار ما تنازل لها الإنسان عنه من دوره.
وهذا لا يعني أن سؤال استخدام الذكاء الاصطناعي سيصبح بلا قيمة في كل مكان. ففي البحث العلمي والتعليم والمسابقات وغيرها من المجالات، ستظل معرفة حدود تدخل الآلة ضرورية. ما أتحدث عنه هنا هو الكتابة الإبداعية، والقارئ الذي يقف أمام نص ويريد أن يعرف: هل أمامي شيء يستحق القراءة؟
وربما لهذا ستتغير قيمة الكاتب نفسه.
لن تكون الندرة في المستقبل في القدرة على إنتاج الكلمات. فالآلة تستطيع أن تنتج آلاف الكلمات في دقائق، وستفعل ذلك أفضل مما تفعله اليوم.
الندرة ستكون في مكان آخر: أن يكون لديك ما يستحق أن يقال.
تجربة عشتها، وموقف تكوّن داخلك عبر السنين. عين ترى شيئًا مرّ به الآخرون ولم ينتبهوا إليه. ذاكرة لها رائحتها وأماكنها وخساراتها وأشخاصها.
يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يكتب ألف وصف للأب، لكنه لا يعرف أباك.
ويستطيع أن يكتب عن بيت الطفولة، لكنه لم يركض في ممرات بيتك.
وقد يكتب عن الحزن كلامًا أجمل مما تستطيع أنت كتابته، لكنه لا يعرف ذلك الاسم الذي إذا ظهر فجأة في هاتف قديم غيّر شيئًا في صدرك.
هذه المسافة، في ظني، هي التي ستبقى للإنسان.
ليس لأنه الوحيد القادر على تركيب جملة جميلة؛ لم يعد كذلك. وإنما لأنه عاش الحياة التي تقف خلف الجملة.
ولهذا ربما نهدر كثيرًا من الوقت اليوم في مطاردة «بصمة الذكاء الاصطناعي» في النصوص. نفتش عن كلمة هنا، وتركيب هناك، ونطمئن إذا وجدنا خطأً صغيرًا؛ لأن الخطأ، ويا للمفارقة، أصبح دليلًا محتملًا على أن الكاتب بشر!
لكن ماذا سنفعل حين تتحسن الآلة أكثر؟
ستصبح تلك البصمة أصعب اكتشافًا، وقد يأتي وقت لا يكون فيه الفصل بين ما كتبه الإنسان وما كتبته الآلة بهذه السهولة أصلًا.
عندها سنضطر إلى العودة إلى أسئلة أقدم وأبسط: من صاحب الفكرة؟ وهل لديه رؤية؟ وهل أضاف شيئًا من عنده؟ وهل يستطيع الوقوف خلف ما نشره باسمه؟
هذه الأسئلة عندي أهم من معرفة من ضغط أزرار لوحة المفاتيح.
وقد يأتي يوم تصبح فيه عبارة «كتب بمساعدة الذكاء الاصطناعي» عادية جدًا، مثل عبارة «كُتب باستخدام الحاسوب». ولن تكون المشكلة في استخدام الأداة، وإنما في غياب الإنسان خلفها.
وهذا ما يخيفني أكثر من قدرة الآلة على الكتابة.
أن نتوقف نحن عن التفكير لأنها تفكر، وعن القراءة لأنها تلخص، وأن نستسهل الإجابة لأنها دائمًا هناك، جاهزة وسريعة ومقنعة. وبعد سنوات قد نكتشف أننا كسبنا أداة مذهلة، لكننا تركنا في الطريق بعض العضلات التي كنا نفكر بها.
عندها لن تكون المشكلة أن الذكاء الاصطناعي أصبح يشبه الإنسان.
المشكلة أن الإنسان بدأ يشبه ما تقترحه الآلة.
ولعل الأجيال القادمة لن تسأل النصوص السؤال الذي نردده اليوم:
«هل كتب هذا بالذكاء الاصطناعي؟»
ربما سيكون لديها سؤال أصعب:
**هل كان وراء هذا النص إنسان لديه شيء حقيقي يريد أن يقوله؟**
وأظن أن هذا السؤال سيظل صالحًا، مهما تطورت الآلات.
______________________________



