جامعة حفرالباطن الجاهزية التي أذابها الحر!

✍️ د. عالي علي السعدوني – كاتب رأي :
(تكفون ساعدونا.. ذبحنا الحر)، بهذه اللغة العفوية تتحدث بعض طالبات جامعة حفرالباطن عبر مقاطع متداولة في منصة تيك توك عن حرارة بعض مرافق الجامعة وضعف التكييف فيها، وهي كلمات لا تحتاج إلى كثير من التأويل بقدر ما تحتاج إلى مسؤول يسمعها ويتحقق منها وينزل إلى الميدان ليرى الحقيقة بنفسه، فالطالبة التي جاءت إلى جامعتها طلبًا للعلم لا يفترض أن تصبح درجة حرارة القاعة واحدة من مشكلاتها اليومية، ولا أن تنتهي محاضرتها وهي تبحث عن مكان آخر يمنحها شيئًا من الراحة التي افتقدتها أثناء يومها الدراسي.
وبحسب ما تتناقله بعض الطالبات عبر تيك توك، فإن بعضهن يتجهن بعد انتهاء المحاضرات إلى العثيم مول بحثًا عن مكان مكيّف يخفف عنهن حرارة الجو، وإذا كانت هذه الصورة تعكس واقعًا تعاني منه مجموعة من الطالبات فإنها تستحق وقفة جادة، فمن غير المقبول أن تصبح وجهة الطالبة بعد خروجها من المحاضرة مركزًا تجاريًا بحثًا عن التكييف، وكأن السوق يؤدي بطريقة غير مقصودة جزءًا من الخدمات التي كان يفترض أن تجدها الطالبة في بيئتها الجامعية.
يا رئيس جامعة حفرالباطن الصيف في حفرالباطن ليس مفاجأة، وحرارة أغسطس ليست ظرفًا طارئًا جاء دون موعد، ولذلك فإن اختبار التكييف وصيانة الأجهزة والتأكد من كفاءة المصاعد وجاهزية القاعات والمرافق يفترض أن يسبق وصول أول طالب وطالبة؛ لأن الاستعداد للعام الأكاديمي ليس اجتماعًا يعقد ثم ينفض، ولا خبرًا إعلاميًا يحمل عبارة اكتمال الجاهزية بل عمل طويل يبدأ قبل عودة الطلاب بوقت كافٍ ويظهر أثره في التفاصيل التي يعيشونها منذ الدقيقة الأولى لدخولهم الجامعة.
الجاهزية الحقيقية لا تُقاس بعدد الاجتماعات ولا بحجم التقارير بل بدرجة رضا الطالب عن المكان الذي يقضي فيه جزءًا كبيرًا من يومه، فالمكيف الذي يعمل بكفاءة تقرير جاهزية، والمصعد الذي يعمل دون أعطال تقرير جاهزية، ودورة المياه النظيفة تقرير جاهزية، وسرعة استجابة الصيانة تقرير جاهزية، والقاعة المهيأة تقرير جاهزية، أما أن نقول للطالب إن الجامعة استعدت للعام الأكاديمي ثم يدخل قاعة لا يحتمل حرارتها فهنا يصبح الواقع أكثر بلاغة من أي بيان.
وما يذكره بعض الطلاب عن تعطل بعض المصاعد الكهربائية يستحق التحقق والمعالجة كذلك؛ لأن المصعد داخل المبنى الجامعي ليس قطعة تكميلية يمكن أن تتوقف أيامًا دون أن يشعر أحد بأهمية ذلك بل خدمة يحتاج إليها الطلاب والطالبات وأعضاء هيئة التدريس والموظفون، وقد تكون ضرورة لمن لديه ظرف صحي أو صعوبة في الحركة، ولذلك فإن الصيانة الوقائية التي تسبق العطل أكثر ذكاءً وأقل تكلفة من إدارة تبدأ عملها بعد وصول الشكوى.
ونحن عندما نكتب عن جامعة حفرالباطن لا نكتب ضدها، ولا نبحث عن خصومة مع رئيسها أو مسؤوليها بل نكتب لأجل وطن قدّم للتعليم والجامعات إمكانات كبيرة، وسخّر الموارد من أجل بناء بيئة أكاديمية تليق بالطالب السعودي، ولذلك يصبح واجب الإدارة الجامعية أن تحول هذا الدعم إلى خدمة يشعر بها الطالب داخل القاعة والمختبر والممر والمرفق، فالوطن يؤدي دوره في الدعم والتمكين، ويبقى دور المسؤول في جودة التنفيذ وحسن الإدارة والمتابعة الدقيقة.
ولا يمكن أن نتحدث أمام طالب يعاني حرارة القاعة عن الذكاء الاصطناعي والابتكار والتصنيفات العالمية وجودة المخرجات ثم نعد التكييف قضية صغيرة لا تستحق النقاش، فالجامعة الحديثة لا تبدأ من الشعارات الكبيرة وإنما من التفاصيل الأساسية، والطالب لن ينشغل بالبحث والابتكار وهو يبحث عن هواء بارد، ولن يشعر بجودة الحياة الجامعية إذا كانت أبسط الخدمات التشغيلية لا تعمل بالمستوى الذي ينتظره.
بل إن وصول الشكوى إلى تيك توك يحمل رسالة إدارية أخرى ينبغي ألا تمر بسهولة، فطالب اليوم لا ينتظر طويلًا حتى تصل ملاحظته عبر السلم الإداري بل يفتح هاتفه ويصور ويتحدث وينشر، وبعد ساعات قد يشاهد المقطع آلاف الأشخاص، ولذلك أصبحت سرعة الاستجابة جزءًا من سمعة المؤسسة، وأصبحت الإدارة الذكية هي التي تسمع الطالب داخل أسوارها قبل أن تسمعه عبر منصات التواصل الاجتماعي.
وأتمنى من رئيس جامعة حفرالباطن أن يذهب بنفسه إلى بعض القاعات التي ترد حولها الملاحظات في وقت الظهيرة دون ترتيب مسبق أو زيارة بروتوكولية، وأن يجلس دقائق في المكان نفسه الذي يجلس فيه الطلاب، وأن يجرب المصاعد التي يقال إنها متعطلة، وأن يستمع إلى الطالبات والطلاب مباشرة؛ لأن بعض التقارير تفقد كثيرًا من حرارة المشكلة وهي تصعد عبر المستويات الإدارية بينما زيارة واحدة للميدان قد تختصر عشرات الصفحات.
طلاب وطالبات جامعة حفرالباطن لا يريدون جامعة فاخرة، ولا يطلبون خدمات مستحيلة بل يريدون جامعة تليق بما قدمه الوطن لها، قاعات مهيأة، وتكييفًا يعمل، ومصاعد تتحرك، ومرافق نظيفة، وصيانة تستبق الأعطال، وإدارة تسمع وتتحرك وتنجز، وهذه ليست مطالب رفاهية بل أبسط مكونات البيئة الأكاديمية التي تساعد الإنسان على التعلم والإبداع.
وأجمل رد يمكن أن تقدمه جامعة حفرالباطن على مقاطع تيك توك ليس بيانًا إعلاميًا طويلًا يشرح حجم الجهود بل أن تدخل الطالبة غدًا قاعتها فتجد التكييف يعمل، وأن يضغط الطالب زر المصعد فيفتح بابه، وأن يشعر الجميع بأن أصواتهم وصلت وأن المشكلة عولجت، فالعمل في مثل هذه المواقف أكثر إقناعًا من الكلمات، والخدمة الجيدة أبلغ من عشرات البيانات.
فالجاهزية التي نبحث عنها بسيطة جدًا أن يدخل الطالب جامعته، فيجد ما قيل إنه جاهز جاهزًا بالفعل.



