كتاب الرأي

في المقبرة… اتركوا لأهل الميت مكانهم

          ✍️ا- إبراهيم الروسي- كاتب رأي:

هناك مشهد يتكرر عند تشييع الموتى، وربما اعتدنا عليه حتى أصبح مألوفًا، لكنه في الحقيقة يحتاج إلى وقفة.

عند المقبرة، وبعد أن يُدفن الميت، يقف أهلُه صفًا لاستقبال المعزين، وتبدأ الوفود بالسلام والدعاء والمواساة. وهذا من جميل الوفاء وحسن التعزية.

لكن الملاحظ أن بعض الحاضرين يقفون في الصف مع أهل الميت، حتى يخيل لمن لا يعرفهم أنهم من أقاربه وأهل بيته، فيمتد الصف، ويزدحم المكان، ويجد أهل الميت أنفسهم وسط زحامٍ لا يعرفون كيف يتعاملون معه.

يا أخي… أنت جئت لتعزّي، لا لتأخذ مكان أهل الميت.

قف جانبًا، صافح أهل الميت، قل لهم: «عظم الله أجركم، وأحسن عزاءكم، وغفر لميتكم»، ثم اترك لهم المساحة التي يحتاجونها.

فأهل الميت في تلك اللحظة ليسوا بحاجة إلى الزحام، ولا إلى أن يقف عشرات الأشخاص ملاصقين لهم، ولا إلى أن يشعروا بالإحراج وهم يحاولون استقبال الناس.

وقد يكون بين أهل الميت كبار سن، أو أبناء، أو إخوة، أو أقارب مقرّبون، ومن حقهم أن يكون لهم مكانهم ومساحتهم.

المواساة ليست أن تتصدر الصف، ولا أن يراك الناس واقفًا بجوار أهل الميت. المواساة أن تخفف عنهم، لا أن تزيد عليهم المشقة.

والأمر ذاته في مجلس العزاء؛ لا تجعل المجلس ممتلئًا بك حتى لا يجد أهل الميت مكانًا يجلسون فيه، ولا تحول العزاء إلى تجمع للأحاديث واللقاءات.

جئت لتواسي أهل المصاب، فكن خفيفًا في حضورك، طيبًا في كلماتك، قصيرًا في جلوسك، واسعًا في صدرك.

وتذكر أن صاحب المصاب هو أحق الناس بالمكان والهدوء والخصوصية.

لسنا بحاجة إلى أن نثبت محبتنا للميت بالوقوف في الصف، ولا إلى أن نظهر للناس قربنا منه. فالميت لا يحتاج منا استعراضًا، وإنما يحتاج إلى دعوة صادقة، وأهله يحتاجون إلى مواساة صادقة.

رحم الله موتانا وموتى المسلمين، وجبر الله قلوب أهلهم.

ومن الأدب مع أهل المصاب أن تعرف أين تقف… ومتى تتقدم… ومتى تترك المكان لأهله.

فليست كل مساحة تقف فيها حقًا لك، وليست كل لحظة مناسبة للظهور.

في المقبرة، كن مواسيًا… لا مزاحمًا.

للتواصل : [email protected]

إبراهيم أحمد الروسي

مدير مكتب الصحيفة بمنطقة عسير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى