كتاب الرأي

على عتبات عام جديد.. يعود العطاء التربوي

        ✍️ طاهرة الشامسي – كاتبة راي :

على عتبات عامٍ تربوي جديد، تقف المدارس من جديد أمام أبوابها، تستقبل خطوات المعلمين والطلبة، وتستعيد الممرات أصواتها، وتعود الفصول إلى دفء الحكايات، وتعود السبورات لتحتضن الكلمات الأولى، والأسئلة الأولى، والأحلام التي لا تزال تبحث عن طريقها نحو المستقبل.

تعود الحياة إلى الميدان التربوي، ولكنها لا تعود كما كانت، فكل عام جديد يحمل معه فرصة جديدة، وأملًا جديدًا، وتجارب جديدة، وقلوبًا أكثر نضجًا، وعقولًا أكثر وعيًا بما تعنيه التربية في حياة الإنسان.

فالتعليم ليس مجرد بداية فصل دراسي جديد، وليس جرسًا يعلن بدء الحصص، ولا كتبًا تُوزع، ولا دفاتر تُرتب، ولا خططًا تُكتب على الورق، التعليم حياة كاملة تُبنى تفاصيلها كل يوم، ورسالة عظيمة تبدأ من إنسان يحمل في قلبه إيمانًا بأن الكلمة التي يقولها اليوم قد تصنع إنسانًا مختلفًا غدًا.

وحين يعود المعلم إلى مدرسته، فإنه لا يعود إلى مكانٍ يؤدي فيه وظيفة فحسب، بل يعود إلى ميدان يحمل فيه رسالة، وإلى مساحة قد يكون فيها سببًا في تغيير حياة طالب، أو اكتشاف موهبة، أو زرع ثقة، أو إعادة ابتسامة، أو إشعال شمعة في عقل كان يبحث طويلًا عن النور.

كم من طالبٍ دخل الفصل وهو يظن أنه لا يستطيع، فوجد معلمًا قال له: أنت تستطيع.
وكم من طالبٍ كان يختبئ خلف صمته، حتى وجد من يمنحه فرصة للكلام.
وكم من موهبة كانت ستظل حبيسة الخجل، لولا عين تربوية التقطتها، ويدٍ امتدت إليها، وقلبٍ آمن بها.
وكم من إنسانٍ يتذكر معلمه بعد سنوات طويلة، لا لأنه كان يتذكر كل الدروس التي تعلمها، بل لأنه يتذكر كلمةً جميلة قالها له في لحظة كان يحتاج فيها إلى من يؤمن به.

وهنا تكمن عظمة الميدان التربوي، فالأثر الحقيقي لا يقاس دائمًا بدرجات الاختبارات، ولا بعدد الحصص، ولا بحجم المناهج التي أُنجزت، وإنما يقاس بعدد القلوب التي لامسناها، والعقول التي أيقظناها، والطاقات التي اكتشفناها، والإنسان الذي ساعدناه على أن يصبح أفضل.

على عتبات العام الجديد، يعود المعلمون، ولكن معهم تعود أحلام كثيرة.
يعود مدير المدرسة وهو يحمل في ذهنه خططًا وطموحات، ويعود المعلم وهو يحمل مسؤولية كبيرة، ويعود الإداري وهو يدرك أن نجاح المؤسسة التعليمية لا يقوم على شخص واحد، وإنما على فريق يؤمن بأن العمل حين تتكامل فيه الجهود يصبح أكثر قدرة على صناعة الفرق.

ويعود الطالب حاملاً حقيبته، وربما يحمل معها أحلامًا لا يعرف كيف يعبّر عنها، وربما يحمل مخاوف لا يراها أحد، وربما يحمل سؤالًا يحتاج إلى إجابة، أو موهبة تنتظر من يكتشفها، أو قصة لا يعرف كيف يرويها.

ومن هنا، فإن المدرسة ليست مكانًا للتعلم فقط، بل مكانٌ يتعلم فيه الإنسان كيف يكون إنسانًا. فيها نتعلم أن النجاح ليس دائمًا في أن نكون الأوائل، وإنما في أن نبذل أقصى ما نستطيع. نتعلم أن الخطأ ليس نهاية الطريق، بل خطوة في طريق التعلم. نتعلم أن الاختلاف لا يعني الخلاف، وأن احترام الآخر جزء من النجاح، وأن التعاون أقوى من الفردية، وأن الكلمة الطيبة قد تكون درسًا لا يُنسى.

وهذه هي المسؤولية التي تجعل من العام الدراسي أكثر من مجرد تقويمٍ يبدأ وينتهي، بل رحلة طويلة من البناء والتشكيل والتأثير. عام جديد يعني أن أمامنا صفحات لم تُكتب بعد.

وكم هو جميل أن ندخل هذا العام دون أن نثقل خطواتنا بأخطاء الأمس، ودون أن نسمح للتجارب الصعبة أن تطفئ فينا شغف العطاء. فكل عام يمنحنا فرصة لنكون أفضل. أفضل في تعاملنا، وأفضل في عطائنا، وأفضل في استماعنا، وأفضل في فهمنا للآخرين.

ربما لم نستطع في العام الماضي أن نحقق كل ما تمنيناه، وربما تعثرت بعض الخطط، وربما واجهنا تحديات لم تكن في الحسبان، وربما شعر بعضنا بالتعب، وربما كانت هناك أيام ثقيلة مرّت علينا بصمت. لكن العودة تعني أن هناك فرصة أخرى. فرصة لنبدأ من جديد. فالميدان التربوي لا يحتاج إلى الكمال بقدر ما يحتاج إلى الصدق.

وهذه ..
هي الرسالة التي تستحق أن نحملها كل عام من جديد.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى