أصحاب الخبرة… ثروة متجددة الاستدامة تبدأ من الإنسان

✍️د. الشيف حليمة عسيري – كاتبة رأي :
في إحدى التجارب اللافتة في قطاع المطاعم بالولايات المتحدة الأمريكية، استعان مطعم بمجموعة من الأمهات والجدات للمشاركة في إعداد الطعام، والاستفادة من خبراتهن المتراكمة في الوصفات وطرق التحضير وفنون التعامل مع المكونات.
لم تكن التجربة مجرد وسيلة لتقديم أطباق مختلفة، بل كانت تعبيرًا عن فكرة أكثر عمقًا، وهي أن الخبرة الإنسانية مورد يستحق أن يُحافظ عليه ويُستثمر فيه.
فكم من أم وجدة تحملان في ذاكرتهما تفاصيل لا توجد في كتب الوصفات، وكم من صاحب مهنة أمضى سنوات طويلة في التعلم والممارسة، حتى أصبحت المعرفة بالنسبة إليه جزءًا من الممارسة اليومية لا مجرد معلومات يمكن تدوينها.
وهنا يبرز سؤال يستحق التأمل:
كيف ننظر إلى الإنسان عندما تتقدم به السنون؟
هل نربط قيمة الإنسان بعمره وقدرته على أداء العمل بالطريقة نفسها، أم ننظر إلى ما اكتسبه خلال سنوات حياته من معرفة وخبرة وتجربة؟
إن الخبرة لا تتوقف عند حدود المهنة. الطبيب، والمعلم، والمهندس، والباحث، والحرفي، والطاهي، والمزارع، وغيرهم، يراكمون خلال مسيرتهم المهنية رصيدًا معرفيًا يشكل جزءًا من رأس المال الحقيقي لأي مجتمع.
وقد تتغير قدرة الإنسان على أداء بعض المهام مع مرور الوقت، لكن معرفته لا تفقد قيمتها. بل قد تصبح أكثر أهمية عندما تتحول من ممارسة فردية إلى معرفة تنتقل إلى الآخرين.
ومن هنا تتسع رؤيتنا لمفهوم الاستدامة.
فالاستدامة ليست مرتبطة بالبيئة والموارد والطاقة والغذاء فحسب، على الرغم من أهميتها، وإنما تمتد إلى الإنسان نفسه، وإلى ما يحمله من علم وخبرة وتجارب.
إن المحافظة على الإنسان تعني المحافظة على المعرفة التي يحملها، وإتاحة المجال أمامه للاستمرار في العطاء بما يتناسب مع قدراته وخبراته. فقد يكون دوره في مرحلة من حياته المهنية مختلفًا عن السابق، لكنه يستطيع أن يواصل حضوره من خلال التدريب، أو التوجيه، أو الاستشارة، أو نقل المعرفة، أو الإشراف، أو تطوير الممارسات المهنية.
وهذا النوع من الاستدامة لا يحفظ خبرة الفرد فحسب، بل يسهم في بناء حلقة متصلة بين الأجيال.
فالجيل الجديد يأتي بأدواته وأفكاره وتقنياته، بينما يأتي أصحاب الخبرة بما راكمته السنوات من معرفة وتجارب. وعندما يلتقي الطرفان، لا تنتقل المعرفة فقط، بل تتطور أيضًا.
وفي قطاع الطهي تحديدًا، تبدو هذه المسألة أكثر وضوحًا. فالكثير من الأطباق التقليدية لم تصل إلينا من خلال كتب ومراجع، وإنما انتقلت عبر الأمهات والجدات والممارسين الذين حفظوا تفاصيلها بالممارسة، وعرفوا أسرارها من خلال التجربة.
وإذا لم نجد وسيلة لنقل هذه المعرفة، فإننا لا نفقد وصفة فحسب، بل نفقد جزءًا من الذاكرة الثقافية التي ارتبطت بها.
والأمر ذاته ينطبق على مختلف العلوم والمهن. فالمعرفة التي لا تنتقل إلى الأجيال الجديدة معرضة للانقطاع، والخبرة التي لا تجد مساحة للاستمرار قد تتحول إلى ذاكرة فردية بدل أن تصبح قيمة يستفيد منها المجتمع.
لذلك، فإن استدامة الإنسان لا تعني إبقاءه في المكان نفسه أو مطالبته بالاستمرار في العمل بالطريقة نفسها، وإنما تعني الاعتراف بقيمته، وإعادة توظيف خبرته، وخلق مساحات تسمح له بمواصلة العطاء.
نحن بحاجة إلى ثقافة ترى في التقدم في العمر انتقالًا إلى مرحلة جديدة من القيمة، لا نهاية للقيمة.
فالمجتمع المستدام هو الذي لا يستهلك الإنسان ثم يتخلى عنه، بل يحافظ على معرفته، ويقدّر تجربته، ويهيئ لها طريقًا للوصول إلى الأجيال القادمة.
وفي النهاية، قد تكون أعظم صور الاستدامة أن ندرك أن الموارد لا تقتصر على ما نراه ونقيسه، فهناك مورد إنساني يتشكل مع الزمن، وكلما أحسنّا الحفاظ عليه ونقل ما يحمله من معرفة، أصبح أكثر أثرًا واستمرارًا.
فالإنسان ليس مجرد مستفيد من الاستدامة، بل هو أحد أهم مصادرها.
للتواصل : [email protected]



