كتاب الرأي

الشرقية تذهب بطلابها إلى العالم:

✍️ د. علي بن عالي السعدوني – كاتب رأي :

جميل أن تقرأ خبرًا عن طالب أو طالبة من المنطقة الشرقية عاد من مسابقة دولية بميدالية، والأجمل أن تتكرر هذه الأخبار حتى لا تعود حالة فردية مرتبطة بموهبة استثنائية ظهرت بالمصادفة، وإنما تصبح صورة متكررة لجيل سعودي بدأ يدخل ميادين العلوم الصعبة بثقة ينافس في الفيزياء والرياضيات والمعلوماتية والذكاء الاصطناعي والعلوم النووية والمواصفات ثم يعود إلى وطنه بالذهب والفضة والبرونز والبلاتين، وكأن أبناء الشرقية يقولون إن المدرسة التي كنا ننظر إليها بوصفها مكانًا للدرس والاختبار والنجاح والانتقال إلى الصف التالي تستطيع أن تكون البوابة الأولى إلى منصة دولية يقف عليها طالب سعودي بين أقرانه من مختلف دول العالم.
والعرض الذي قدمته الدكتورة منيرة المهاشير لسمو نائب أمير المنطقة الشرقية عن أبرز مشاركات الطلبة والطالبات وإنجازاتهم الدولية يحمل معنى أكبر من استعراض مجموعة من الميداليات؛ لأن خلف كل ميدالية حكاية طالب تعب، وأسرة شجعته، ومعلم اكتشف قدرته، ومدرسة احتضنت موهبته، وبرنامج دربه، وإدارة تعليمية دفعت به إلى المنافسة ثم قيادة في المنطقة تستقبله وتفرح بمنجزه وتمنحه إحساسًا جميلًا بأن الوطن يعرف أبناءه المتميزين، ويتابع خطواتهم، ويقدر ما يصنعونه باسمه في المحافل العلمية الدولية.
واهتمام سمو نائب أمير المنطقة الشرقية بهذه النماذج الشابة له أثر لا يمكن قياسه بصورة تذكارية أو خبر ينشر في وسائل الإعلام، فالطالب في هذه السن يحتاج إلى من يقول له إن ما تفعله مهم، وإن تفوقك ليس شأنًا شخصيًا يخصك ويخص أسرتك ومدرستك بل منجز لوطن ينتظر منك الكثير، وعندما يجد الطالب أن أمير منطقته يتابع إنجازه، ويسأل عن مشاركته، ويستمع إلى تفاصيل تفوقه، فإن الميدالية التي عاد بها تصبح بداية لطموح أكبر، وربما يكون الطالب الذي نحتفي به اليوم في أولمبياد دولي هو الباحث والعالم والمخترع الذي نحتفي به بعد سنوات وهو يقدم للوطن معرفة جديدة أو اختراعًا يحمل اسم المملكة.
وفي هذه الصورة تبرز الدكتورة منيرة المهاشير نجمة واضحة في المشهد التعليمي بالمنطقة الشرقية ليس لأن نجاح التعليم يمكن أن ينسب إلى شخص واحد، فالتعليم عمل ضخم تشترك فيه آلاف العقول والأيدي، ولكن لأن القيادة الناجحة تستطيع أن تحرك هذه الطاقات في الاتجاه الصحيح، وأن تجعل الطالب هو مركز الحكاية بدل أن تضيع المؤسسة التعليمية وقتها في التفاصيل التي لا تصل إلى الفصل ولا تغير حياة الطالب، وما نريده من أي قيادة تعليمية هو أن تجعل الموهبة مرئية، والتفوق مقدرًا، والمعلم المبدع معروفًا، والمدرسة المتميزة نموذجًا يحتذى، وأن يشعر الناس بأن إدارة التعليم ليست مبنى تصدر منه التعاميم، وإنما عقل يتحرك في الميدان ويبحث عن كل طالب يستطيع أن يضيف شيئًا مختلفًا لوطنه.
وأعتقد أن أجمل تغيير يمكن أن تصنعه الدكتورة منيرة المهاشير في تعليم الشرقية هو أن تجعل هذه الإنجازات الدولية ثقافة ممتدة داخل المدارس وليست مناسبات مرتبطة بأسماء محدودة، وأن تصل عدوى الطموح إلى الطالب الذي لم يكتشف نفسه بعد، وأن يعرف معلم الفيزياء والرياضيات والعلوم والحاسب أن بين يديه ربما يجلس طالب يستطيع بعد سنوات أن يقف على منصة عالمية، فالمواهب لا تحمل بطاقات تعريف تخبرنا بأنها مواهب، وبعض العقول الكبيرة تجلس بهدوء في آخر الفصل ولا يلتفت إليها أحد، ومهمة المدرسة الحقيقية أن تبحث عنها قبل أن تضيع وسط رتابة اليوم الدراسي والاختبارات والدرجات.
المنطقة الشرقية بما تملكه من جامعات وشركات كبرى وبيئة اقتصادية وصناعية وعلمية مختلفة، وبما يظهر في مدارسها من طاقات طلابية قادرة على الوصول إلى المنافسات الدولية تستطيع أن تتحول إلى واحدة من أهم البيئات التعليمية المنتجة للمواهب في المملكة، وهذا يحتاج إلى استمرار التحفيز الذي تحرص عليه قيادة المنطقة، وإلى إدارة تعليمية تؤمن بأن أجمل تقرير يمكن أن ترفعه في نهاية العام ليس عدد الاجتماعات والزيارات والبرامج بل عدد العقول التي اكتشفتها، وعدد المواهب التي منحتها فرصة، وعدد الطلاب والطالبات الذين نقلتهم من مقاعد الدراسة في الشرقية إلى منصات العالم.
فالذهب الحقيقي ليس الميدالية التي تعلّق على صدر الطالب على جمالها وقيمتها الذهب الحقيقي هو الطالب نفسه، وإذا أحسنا اكتشافه وتعليمه وتحفيزه فسوف تأتي الميداليات بعد ذلك من تلقاء نفسها، وسوف تصبح الشرقية التي نراها اليوم حاضرة في الأولمبيادات الدولية منطقة لا تذهب إلى العالم لتشارك بل تذهب إليه لتنافس، وتتعلم، وتعود وهي تحمل اسم السعودية عاليًا بين الأمم.

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى