القطيعة بين الأقارب جرح صامت

✍🏼سمسمه السعيد – كاتبة رأي :
في زمن أصبحت فيه المسافات أقصر بفضل وسائل التواصل تبدو القطيعة بين الأقارب أكثر حضوراً في تفاصيل الحياة فالعائلة قد تجتمع في مناسبة واحدة بينما تحمل القلوب سنوات من الجفاء وقد يتبادل الأقارب التحية أمام الآخرين ثم يعود كل طرف إلى دائرة صمته وكأن شيئاً لم يكن والمفارقة أن كثيراً من هذه القطيعة لا تبدأ بسبب خلاف يستحق كل هذا البعد بل بسبب كلمة قيلت في لحظة غضب أو موقف أسيء فهمه أو خلاف عابر أو حديث نُقل من مجلس إلى آخر حتى يتحول الخلاف الصغير مع مرور الوقت إلى مسافة كبيرة يصعب تجاوزها٠
المشهد لا يتوقف عند غياب الزيارات فحين تنقطع صلة الرحم تتغير ملامح العائلة نفسها ويكبر الأبناء وهم يرون أقاربهم غرباء وقد تنتقل إليهم مشاعر العتاب والجفاء دون أن يعرفوا كيف بدأت الحكاية وفي المقابل ينشغل البعض بأخبار الآخرين عبر مواقع التواصل بينما لا يعرف شيئاً عن حال قريب يسكن على بعد دقائق منه فتتحول الصلة إلى رسالة موسمية أو تهنئة إلكترونية عابرة بينما تحتاج العلاقات الأسرية إلى حضور حقيقي وسؤال صادق وموقف يظهر وقت الحاجة
وتزداد القطيعة حين يدخل الكبر والحسابات الشخصية على خط العلاقات الأسرية فينتظر كل طرف أن تكون المبادرة من الطرف الآخر ويصبح الاعتذار في نظر البعض تنازلاً وتتحول الكرامة من قيمة تحفظ الإنسان إلى حاجز يمنعه من إصلاح علاقة قد لا تتكرر ويستمر الصمت حتى يصبح مرور السنوات أمراً عادياً رغم أن الخلاف نفسه ربما كان يمكن إنهاؤه بمكالمة أو زيارة أو كلمة صادقة٠
وقد وضع النبي صلى الله عليه وسلم معياراً واضحاً لصلة الرحم حين قال ليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها فالمعنى هنا يتجاوز فكرة المعاملة بالمثل ليضع أمام الإنسان مسؤولية أخلاقية واضحة وهي أن يبادر بالوصل حتى عندما لا يجد المبادرة من الطرف الآخر وأن يختار الإصلاح حين يكون الجفاء أسهل وأن يدرك أن التسامح لا يعني التنازل عن الحقوق بقدر ما يعني رفض تحويل الخلاف إلى قطيعة دائمة
والحقيقة أن الإنسان قد ينتصر في خلاف لكنه يخسر قريباً لا يمكن تعويضه وقد يتمسك بموقفه سنوات ثم يكتشف متأخراً أن الوقت الذي ضاع كان أغلى من الخلاف نفسه فالمناسبات تمر والأعمار تتقدم والأبناء يكبرون والفرص التي نظن أنها مؤجلة قد لا تعود ولهذا فإن السؤال الأهم ليس من بدأ الخصام ولا من كان على حق بل من يملك الشجاعة ليضع نهاية له٠
صلة الرحم ليست مجرد تقليد اجتماعي ولا حضوراً في المناسبات إنها قيمة دينية وإنسانية تحفظ تماسك الأسرة وتمنح الأبناء معنى الانتماء وتبقي العائلة مساحة للأمان في زمن تتسع فيه دوائر العزلة ولذلك فإن إصلاح القطيعة لا يحتاج دائماً إلى خطوات كبيرة فقد تكون البداية اتصالاً بسيطاً أو سلاماً صادقاً أو زيارة قصيرة تفتح باباً أغلقته سنوات٠
قد يكون بينك وبين قريبك خلاف قديم وقد ترى نفسك صاحب الحق وقد يكون هو المخطئ لكن العمر لا ينتظر اكتمال الحسابات والرحيل لا يمنح دائماً فرصة أخيرة للصلح لذلك لا تجعلوا خلافاً عابراً أقوى من رابطة الدم ولا تجعلوا الكبرياء سبباً في خسارة من لا يعوض فالقطيعة جرح صامت لا يراه الناس لكنه يترك أثره في البيوت والقلوب والأجيال وقد يكون علاجه أبسط مما نتصور خطوة واحدة تبدأ منك٠
للتواصل : [email protected]



