من اسطوانة الطفولة إلى ألحان طلال مداح، منصور عبدالله أبوعيش يفتح أرشيف عمر من ذاكرة الأغنية السعودية

إعداد وحوار : محمد الشهري – متابعة وتنسيق – نشر : نجوى عسيري – صور خاصة ( مرفقة )
منصور أبوعيش، سجلت أول اسطوانة في الثانية عشرة، وطلال مداح سجل لحنين لي في منزله، لكن الرحيل سبقهما إلى الجمهور
ليست كل الحكايات الفنية تبدأ تحت أضواء المسرح، فبعضها يبدأ قبل أن يدرك أصحابها أنهم يكتبون فصولاً من ذاكرة الفن، وهكذا بدأت حكاية الفنان والملحن منصور عبدالله أبوعيش، طفلاً في الثانية عشرة من عمره يقف أمام الميكروفون ليسجل صوته على اسطوانة، في زمن كانت فيه الاسطوانة حدثاً فنياً بحد ذاتها، وكان الوصول إليها يعني أن صوتاً صغيراً وجد طريقه مبكراً إلى ذاكرة أكبر منه
وخلف ذلك الطفل كان الأب عبدالله أبوعيش رحمه الله، شاعراً وفناناً يكتب الكلمة ويجيد الموال، ويصطحب ابنه إلى المجالس والصالونات الأدبية والفنية في الطائف، المدينة التي كانت يومها ملتقى لأسماء ستصبح لاحقاً علامات بارزة في تاريخ الأغنية السعودية، وهناك تشكلت الأذن، ونضج الشغف، وبدأت ملامح رحلة ستعبر عقوداً من التحولات الفنية
من نجد فون إلى جمعية الثقافة والفنون، ومن وتر وسمر إلى المشاركات الخارجية، ومن الغناء إلى التلحين، امتدت رحلة منصور أبوعيش بين محطات وأسماء وتجارب صنعت أرشيفاً فنياً حافلاً، وفي قلب تلك الرحلة حكاية استثنائية مع طلال مداح، الذي سجل بصوته لحنين من ألحان منصور أبوعيش في منزله، غير أن الرحيل كان أسرع، فبقي اللحنان شاهدين على تعاون فني لم يمهله القدر ليكتمل أمام الجمهور
وفي هذا الحوار لا نستعيد سيرة فنان فحسب، بل نفتح صفحات من ذاكرة مرحلة كاملة، من الأب والطائف واسطوانة الطفولة، إلى سلامة عبدالله وسراج عمر وطلال مداح وعباس إبراهيم، ومن الأعمال الوطنية إلى تجارب التلحين والغناء، وصولاً إلى أرشيف ما زال يحتفظ بأعمال لم تر النور، وحكايات بقي بعضها سنوات طويلة حبيس الذاكرة والأدراج، يرويها منصور عبدالله أبوعيش اليوم كما عاشها، شاهداً عليها وصانعاً لجزء منها
– أستاذ منصور، لو جمعت اليوم منصور الملحن بذلك الطفل الذي وقف أمام الميكروفون قبل أكثر من نصف قرن، فما أول شيء سيربط بينهما؟
أعتقد أن الرابط هو أن الفن بدأ معي مبكراً جداً ولم يكن شيئاً طارئاً على حياتي، فقد كنت أحب الغناء منذ الصغر، وكنت أرافق والدي باستمرار وأعيش معه أجواء الشعر والفنانين والصالونات الأدبية في الطائف، ثم جاءت تجربة الاسطوانة وأنا في الثانية عشرة من عمري، وبعد سنوات أخذني الطريق أكثر إلى التلحين، وهو المجال الذي وجدت نفسي فيه بصورة أكبر
– هل نستطيع القول إن بدايتك الحقيقية لم تكن من المسرح أو الإذاعة وإنما من مجلس والدك ومن مدينة الطائف؟
إلى حد كبير نعم، فالبداية كلها كانت من الطائف، ووالدي الشاعر عبدالله أبوعيش رحمه الله كان شاعراً غنائياً معروفاً في ذلك الوقت، وكان له حضور في تلك الأجواء الفنية، وكنت أرافقه منذ صغري، والطائف في ذلك الوقت كانت ملتقى للفنانين وفيها صالونات أدبية ولقاءات، ولذلك عشت هذا الجو مبكراً جداً قبل أن تبدأ تجربتي الفنية بصورة رسمية
– ماذا أخذ منصور الطفل من عبدالله أبوعيش قبل أن يعرف معنى الاحتراف؟
أخذت منه القرب من الشعر والجو الفني، وكنت أسمعه وأشاهده في تلك المجالس، وكان رحمه الله يمتلك صوتاً جميلاً خصوصاً في الموال، ولذلك كان وجودي معه باستمرار جزءاً أساسياً من بدايتي
– هل كان والدك شاعراً فقط، أم أن في داخله فناناً أيضاً؟
كان شاعراً غنائياً معروفاً في ذلك الوقت، وكان يمتلك صوتاً جميلاً في الموال، وهذا جانب ربما لا يعرفه كثير من الناس عنه
– لماذا كانت الطائف في ذلك الزمن مكاناً مناسباً لطفل يريد أن يقترب من الفن؟
لأن الطائف كانت في تلك الفترة ملتقى للفنانين، وكانت هناك صالونات أدبية ولقاءات تجمع أسماء فنية كبيرة، وكان من الفنانين الذين يجتمعون فيها الأستاذ طارق عبدالحكيم والفنان طلال مداح، وبعدهما الفنان محمد عبده، ولذلك كانت البيئة الفنية موجودة حولنا بصورة واضحة
– هل تتذكر أنك كنت تنظر إلى هؤلاء الفنانين باعتبارهم نجوماً، أم أنك كنت تراهم جزءاً من البيئة التي تعيش فيها؟
كنت صغيراً وأعيش هذه الأجواء بحكم مرافقتي لوالدي، ولذلك كان وجود الفنانين في الطائف وفي تلك المجالس جزءاً من المحيط الذي نشأت فيه، فالبداية عندي جاءت من المعايشة المبكرة لهذا الوسط
– وأنت في الثانية عشرة دخل صوتك إلى الاسطوانة، كيف حدث ذلك؟
كانت البداية عام 1389 هجرياً تقريباً، وفي ذلك الوقت كانت الاسطوانة موجودة، وكانت هناك تسجيلات لأسطوانات نجد فون، وسجلت أغنيتين من كلمات والدي رحمه الله، وكنت أنا من غناهما، وكان عمري وقتها نحو اثنتي عشرة سنة
– ما الذي كان موجوداً في الاستديو مع طفل في الثانية عشرة من عمره؟
كان معي الأستاذ سلامة عبدالله يعزف على العود فقط، ولم تكن هناك آلات أخرى، ولذلك كان التسجيل بسيطاً جداً من ناحية التكوين الموسيقي
– ما الأغنية التي حملها الوجه الأول من تلك الاسطوانة؟
إحدى الأغنيتين كانت (في حارتنا ولا يجينا)، وهي من كلمات والدي رحمه الله
– وماذا عن لحن (في حارتنا ولا يجينا)؟
اللحن كان مأخوذاً من الفلكلور، ومن أغنية معروفة هي يا ماشي الليل فين رايح
– وما الأغنية التي حملها الوجه الآخر؟
الأغنية الثانية كانت بعنوان (مين أنت)، وهي أيضاً من كلمات والدي رحمه الله
– حين تغني اليوم (في حارتنا ولا يجينا) بعد كل هذه العقود، ماذا يعني لك أن تسمع صوتك طفلاً ثم تعيد الأغنية بصوتك الحالي؟
هذه الأغنية مرتبطة ببدايتي المبكرة جداً، فهي واحدة من أول تسجيلاتي، ومرتبطة بوالدي وبمرحلة الاسطوانة وبسن الثانية عشرة، ولذلك فإن العودة إليها تعيد جزءاً من تلك المرحلة الأولى في حياتي الفنية
– هل كانت الاسطوانة إعلان بداية متواصلة، أم ظلت تجربة مبكرة ثم جاءت بعدها مرحلة أخرى؟
كانت تجربة مبكرة جداً، وبعدها كنت ما زلت في مرحلة الدراسة، واستمرت هذه الفترة سنوات، ثم جاءت بعدها مرحلة مختلفة وأكثر نضوجاً في العمل الفني وهي جمعية الثقافة والفنون بالطائف، وكان يرأسها أستاذنا الكبير الفنان عبدالله مرشدي رحمه الله، ومن هناك بدأت مرحلة مهمة في تجربتي الفنية
– عبدالله مرشدي لم يكن بالنسبة لك مجرد رئيس للجمعية، ماذا كان تأثيره عليك؟
كان للأستاذ عبدالله مرشدي رحمه الله تأثير فني كبير جداً علي لا أنساه، وكانت تلك الفترة من المراحل المهمة بالنسبة لي في جمعية الثقافة والفنون بالطائف
– كيف كان حضورك الفني داخل الجمعية في تلك المرحلة؟
اشتركنا في حفلات الجمعية الشهرية وغيرها من الحفلات في الطائف، وكانت الجمعية هي البداية الفعلية في التلحين بصورة أوضح
– ما أول لحن شعرت أنه يمثل منصور أبوعيش الملحن؟
أول عمل غنائي لحنته كان أغنية يا بسمة حبيبي يا كل الأمل للحب الحقيقي في دنيا الغزل، وكانت من كلمات والدي رحمه الله
– مرة أخرى كان والدك موجوداً في أول الطريق التلحيني أيضاً؟
نعم، أول عمل رسمي لحنته كان من كلماته، وهذا يوضح أن حضوره كان ممتداً معي من البدايات الأولى في الغناء إلى بداياتي في التلحين
– هل بقيت يا بسمة حبيبي بصوتك، أم انتقلت إلى صوت آخر؟
غناها لاحقاً في القاهرة الدكتور الفنان حسن إسكندراني وسُجلت رسمياً برفقة الفرقة الماسية
– ما الذي كانت تعنيه لك جمعية الثقافة والفنون بالطائف في تلك المرحلة؟
كانت هي المكان الذي بدأت منه مرحلة التلحين بصورة فعلية، وفي أيام الأستاذ عبدالله مرشدي بدأت تجربتي هناك، وكان له تأثير فني كبير علي، وشاركت في حفلات الجمعية الشهرية وغيرها، وانطلقت من تلك المرحلة أول أعمالي التلحينية
– بعد جمعية الثقافة والفنون جاءت تجربتك مع الأستاذ جميل محمود، كيف بدأت هذه المرحلة؟
بدأت رحلتي مع أستاذنا الكبير جميل محمود في برنامجه الشهير وتر وسمر، وشاركت معه في حلقتين أو ثلاث حلقات تقريباً
– ماذا قدمت في برنامج وتر وسمر؟
غنيت يا بسمة حبيبي، كما قدمت أغنية اسألوا لي عن حبيبي
– ماذا بقي في ذاكرتك من اسألوا لي عن حبيبي؟
هي من الأعمال التي قدمتها في البرنامج، وما زلت أستطيع أداءها، ومن كلماتها اسألوا لي عن حبيبي، هو غايب عني فين، روحوا قولوا له عني احكوا له، هو حبي ونور العين
– نلاحظ أن مسيرتك لم تكن متصلة زمنياً بصورة دائمة، ما سبب فترات الانقطاع؟
الاستمرارية عندي كانت متقطعة ولم تكن متواصلة بصورة دائمة، وربما كان عدم تفرغي للفن بصورة نهائية أحد الأسباب التي أدت إلى ذلك
– أنت مصنف في الإذاعة والتلفزيون كمطرب، ومع ذلك تقول إنك وجدت نفسك في التلحين، لماذا؟
صحيح، لكنني وجدت نفسي أكثر في مجال التلحين، وابتعدت مع الوقت عن الطرب والغناء بصورة أكبر، وأصبح التلحين هو المجال الأقرب إلي
– هل يمكن القول إن الغناء كان الباب والتلحين أصبح البيت؟
الغناء كان موجوداً معي منذ الطفولة وبدأت به مبكراً جداً، لكن مع مرور التجربة وجدت أن التلحين هو المجال الأقرب إلي، ولذلك أصبح حضوري فيه هو الأوضح بالنسبة لي
– ماذا تغير عندما انتقلت من الطائف إلى جدة؟
بعد انتقالي إلى جدة بدأت مرحلة جديدة، اتسعت معها دائرة تعاوني مع الشعراء والفنانين، ثم التحقت بجمعية الثقافة والفنون في جدة، وبدأت أيضاً معرفتي وعلاقتي بعدد من الأسماء الكبيرة مثل الأستاذ سراج عمر والفنان طلال مداح رحمهما الله
– إذا كانت جمعية الطائف تمثل بداية التلحين، فماذا مثلت لك جمعية جدة؟
كانت مرحلة أخرى من النشاط الفني، وكان أستاذي الكبير سراج عمر رحمه الله هو الرمز الكبير هناك، وكان التعاون معه من الأمور التي لا أنساها
– تتحدث عن سراج عمر بوفاء واضح، ما الدور الذي قام به في مسيرتك؟
الواحد لا ينسى فضل الناس عليه، وكان للأستاذ سراج عمر رحمه الله دور كبير في ترشيحي لأكثر من محفل دولي مثلت المملكة فيه، وهذا فضل لا أنساه له
– إلى أين حملتك تلك المشاركات خارج المملكة؟
كانت لي مشاركات في مصر، وكانت مصر أكثرها، وكذلك شاركت في الأردن ودبي وألمانيا وسويسرا، وكانت مجموعة رحلات جميلة جداً
– وهل كانت هذه المشاركات بصفة شخصية أم تمثيلاً رسمياً للمملكة؟
كانت بتمثيل رسمي لوطننا الغالي المملكة العربية السعودية، وهذا شيء أعتز به كثيراً
– ماذا يعني لفنان بدأ من اسطوانة بصوت طفل أن يصل بعد ذلك ممثلاً للمملكة في الخارج؟
المسيرة بدأت منذ سن صغيرة جداً، ثم مرت بالطائف والجمعية والتلحين، وبعد الانتقال إلى جدة اتسعت المشاركات حتى وصلت إلى تمثيل المملكة في عدد من المحافل الدولية، وهذه كلها مراحل متتابعة في تجربتي الفنية
– لنذهب إلى طلال مداح، كيف بدأت العلاقة بينكما؟
بعد انتقالي إلى جدة بدأت معرفتي وعلاقتي بأستاذنا الكبير طلال مداح رحمه الله، وكانت هناك فترة زمنية بين انتقالي إلى جدة وتطور هذه العلاقة، ثم ارتبطنا فنياً بشكل كبير، وكانت بيننا تجربة نتج عنها عملان من ألحاني
– كيف وصل العملان اللذان لحنتهما إلى طلال مداح؟
سمع الأستاذ طلال العملين وأعجب بهما، وقال لي أنا أبغى الألحان هذه، وكان ذلك بالنسبة لي شيئاً أفتخر به كثيراً لمكانة الأستاذ طلال الكبيرة
– ما العملان اللذان اختارهما طلال مداح من ألحانك؟
الأول خفايا عيون من كلمات الأستاذ نجيب بطيش، والثاني حسايف من كلمات والدي عبدالله أبوعيش رحمه الله
– هل وصل العملان إلى مرحلة التسجيل؟
نعم، تم تسجيل العملين بصوت طلال مداح على شريط كاسيت في بيته
– هل كان تسجيلهما على شريط الكاسيت هو المرحلة النهائية للمشروع؟
لا، كان من المفترض أن نستكمل موضوع العملين حتى يظهرا ويتغنيا بالصورة التي كنا نتمناها، وكنت أتمنى كثيراً أن تظهر الأغنيتان بصوت الأستاذ طلال
– ماذا حدث بعد ذلك، ولماذا لم يكتمل المشروع؟
كانت لدى الأستاذ طلال في تلك الفترة مشاركات، وكانت له أيضاً رحلة علاج إلى لندن، وقبل وفاته بفترة طلبت منه أن نكمل موضوعنا ونسجل الأغاني بالصورة النهائية، فوعدني خيراً
– وماذا حدث بعد ذلك الوعد؟
كانت هناك رحلة إلى قطر، وبعدها جاءت رحلة أبها، وكانت النهاية برحيل الأستاذ طلال رحمه الله، ولذلك لم يكتمل طرح العملين بالصورة التي كنا نتمناها
– ماذا يعني لك أن طلال مداح نفسه سمع ألحانك وأعجب بها وطلب أن يغنيها؟
هذا شيء أفتخر وأعتز به كثيراً، فالأستاذ طلال مداح له منزلة ومكانة فنية كبيرة جداً، ومجرد أن يسمع ألحاني وتعجبه ويطلبها كان بالنسبة لي محطة مهمة في تجربتي الفنية
– أين أصبحت خفايا عيون وحسايف بعد كل هذه السنوات؟
العملان سجلهما طلال مداح رحمه الله بصوته في بيته على شريط كاسيت، لكن رحيله حال دون أن يطرحا رسمياً ويظهرا بالصورة النهائية التي كنا نريدها
– حين يرحل فنان مثل طلال مداح وفي يدك عملان مسجلان بصوته، ماذا يبقى من تلك التجربة؟
يبقى العملان جزءاً مهماً من تجربتي معه، فقد التقيت به وارتبطنا فنياً، وأعجب بلحنين من ألحاني وطلبهما وسجلهما بصوته، وهذا بحد ذاته محطة مهمة جداً بالنسبة لي حتى وإن لم يطرحا رسمياً
– هل كانت حسايف تعيد والدك مرة أخرى إلى محطة كبيرة في مسيرتك؟
نعم، حسايف من كلمات والدي رحمه الله ولحنتها لطلال مداح رحمه الله، ولذلك ظل شعر الوالد حاضراً في أكثر من مرحلة من مراحل مسيرتي
– بعد طلال مداح جاءت مرحلة عباس إبراهيم، كيف بدأت تلك التجربة؟
بدأت العلاقة مع الفنان عباس إبراهيم عن طريق شركة الميجا ستار، التي تحولت بعد ذلك إلى التكامل، ومن خلال هذه المرحلة سجلت أغنيتين لعباس إبراهيم هما أغنية “جرح الهوا” من كلمات محمد الفريح.
وأغنية “كيف أقدر” من كلمات الشاعر فيّاض.
– بعد عباس إبراهيم جاءت مرحلة أخرى مع طلال سلامة ومحمد عمر، كيف بدأت؟
بعد فترة زمنية طويلة نسبياً التقيت بالفنان طلال سلامة والأستاذ محمد عمر، وكانت هناك تجربة معهما في عملين وطنيين من ألحاني هما أغنية “كلمتنا واحدة” (شعر محمد الفريح) وغناها الفنان طلال سلامة وأغنية “يسلم راسك” غناها الفنان محمد عمر.
– ما الذي يجعل هذين العملين الوطنيين يحتلان مكانة خاصة لديك؟
كانا عملين وطنيين في عهد مولاي خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز طيب الله ثراه، وغنى أحدهما الفنان طلال سلامة، وغنى الآخر الفنان محمد عمر، وأنا أفتخر وأعتز بهذين العملين وأعتبرهما وساماً على صدري
– هل اقتصر حضور العملين الوطنيين على التسجيل الصوتي؟
لا، صورت العملان فيديو، وأذيعت في وقتها كثيراً في التلفزيون السعودي
– وهل كانت لديك تجارب مع أصوات أخرى خارج هذه الأسماء؟
نعم، كان هناك تعاون أيضاً مع الفنان وسيم محمد من الرياض في أغنية بعنوان “عمرك سمعت” وكانت من كلمات الشاعر أشرف الأحمد.
– عندما ننظر إلى الأسماء التي تعاملت معها نجد طلال مداح وعباس إبراهيم وطلال سلامة ومحمد عمر ووسيم محمد، ماذا يقول ذلك عن تجربتك كملحن؟
تجربتي في التلحين لم تقتصر على صوت واحد، فقد كانت هناك أعمال مع أسماء مختلفة وفي مراحل مختلفة، وهذا جزء من المسار الذي أخذته في التلحين بعد أن أصبح المجال الأقرب إلي
– من الشعراء الذين دخلوا إلى تجربتك على امتداد هذه السنوات؟
تعاونت مع عدد من الشعراء، وكانت البداية مع الأستاذ يوسف عبدالظاهر، وهو شاعر معروف وكان يعمل في وزارة الخارجية، كما تعاونت مع الأستاذ محمد الفريح، وتعاونت مع أستاذنا ياسين سمكري رحمه الله في أغنية، ومع الأستاذ نجيب بطيش رحمه الله، وكذلك مع الشاعرة زين العبدالله، ومن أحدث التعاونات كان لي عمل مع الشاعرة شموخ المالكي
– هل كنت في جدة تلحن لنفسك فقط، أم بدأت تفكر في أصوات الآخرين أيضاً؟
بعد انتقالي إلى جدة بدأت بالفعل بالتلحين لنفسي، ثم جاءت تعاونات مع فنانين آخرين واتسعت التجربة مع الوقت
– أيهما كان أسبق عندك، البحث عن القصيدة أم البحث عن الصوت الذي سيغنيها؟
تجربتي تضمنت تلحين نصوص لوالدي وللأستاذ نجيب بطيش ولعدد من الشعراء الآخرين، ثم تقديم الألحان بأصوات مختلفة، أما تفاصيل أيهما كان يسبق الآخر في كل تجربة فتختلف بحسب العمل
– هل تختلف وأنت تلحن لمنصور أبوعيش المطرب عن منصور أبوعيش الذي يلحن لفنان آخر؟
تجربتي شملت التلحين لنفسي والتلحين لفنانين آخرين، ولكل تجربة ظروفها وطبيعتها، والمهم بالنسبة لي أنني مع مرور السنوات وجدت نفسي بصورة أكبر في مجال التلحين
– من بين الأصوات التي قدمت ألحانك، من شعرت أنه اقترب أكثر من تصورك للحن؟
تعاونت مع أصوات مختلفة وفي مراحل متعددة، ولم أحدد اسماً بعينه باعتباره الأقرب إلى تصوري للحن، ولذلك أرى أن لكل تجربة خصوصيتها
– لو طلب منك اختيار محطة تختصر التحول الأكبر في حياتك الفنية، فهل ستكون الاسطوانة الأولى أم أول لحن أم جدة أم طلال مداح؟
كل محطة منها تمثل مرحلة مختلفة، فالاسطوانة مرتبطة ببدايتي طفلاً، وأول لحن يمثل دخولي إلى عالم التلحين، ثم جاءت جدة ووسعت دائرة النشاط والتعاون، أما تجربتي مع طلال مداح فهي واحدة من المحطات المهمة في مسيرتي
– ما الاسم الذي لا يمكن أن تروي قصة منصور أبوعيش من دونه؟
والدي عبدالله أبوعيش رحمه الله حاضر في بدايتي وفي الاسطوانة وفي أول لحن قدمته وفي أعمال لاحقة مثل حسايف، ولذلك فإن الحديث عن مسيرتي لا ينفصل عن حضوره وتأثيره
– ثم من بعد الوالد، من الأسماء التي صنعت محطات واضحة في الطريق؟
هناك أسماء عديدة ارتبطت بمحطات محددة، مثل الأستاذ عبدالله مرشدي في جمعية الثقافة والفنون بالطائف وكان له تأثير فني كبير علي، والأستاذ جميل محمود في برنامج وتر وسمر، والأستاذ سراج عمر في جمعية جدة وكان له فضل كبير في ترشيحي للمحافل الدولية، والفنان طلال مداح في تجربة التعاون الفني، إضافة إلى الشعراء والفنانين الذين تعاونت معهم
– ما الذي تغير بين تسجيلك بصوت طفل مع عود واحد فقط وبين عالم الأغنية الذي عرفته بعد ذلك؟
بدايتي كانت شديدة البساطة، صوت طفل وعود يعزف عليه الأستاذ سلامة عبدالله فقط، ثم مرت السنوات ودخلت الجمعيات الفنية والبرامج التلفزيونية والتلحين والتعاون مع فنانين كبار والمشاركات الدولية، ولذلك تغيرت المساحة التي أتحرك فيها كثيراً منذ تلك الاسطوانة الأولى
– هل ترى نفسك اليوم مغنياً لم يأخذ حقه، أم ملحناً اختار مكانه الصحيح؟
أنا مصنف مطرباً في الإذاعة والتلفزيون، وغنيت منذ طفولتي وشاركت في برامج فنية، لكنني أقول بوضوح إنني وجدت نفسي في التلحين، وهو المجال الأقرب إلي
– رغم فترات الانقطاع وعدم تفرغك الكامل للفن، هل ما زال لديك اليوم رصيد من الأعمال التي لم تصل إلى الجمهور؟
نعم، هناك رصيد من الأعمال الغنائية ومن ألحاني لم يظهر حتى الآن، وأتمنى أن ترى هذه الأعمال النور وأن تصل إلى الناس والمستمعين
– إذا كان هذا الرصيد موجوداً، فما الذي يمنع ظهوره حتى الآن؟
تنفيذ العمل الغنائي مكلف، وأنا لا أستطيع تنفيذ هذه الأعمال بالإمكانات المتاحة لدي، ولذلك أتمنى أن توجد شركة تتبنى هذه الأعمال وتساعد على تنفيذها وظهورها بالصورة المناسبة
– تمتلك أرشيفاً فنياً حافلًا بالعديد من الأعمال التي لم تر النور بعد، ومن خلال هذا الحوار نوجّه دعوة لشركات الإنتاج والفنانين والفنانات للاستفادة من هذا الرصيد، فماذا يمكن أن يقدّم لهم منصور عبدالله أبو عيش من أرشيفه؟
أنا مستعد تماماً، وأرحب بأي تعاون جاد مع شركات الإنتاج والفنانين والفنانات، وكذلك مع الأصوات الجميلة التي تمتلك موهبة حقيقية وتستحق الفرصة، لدي أرشيف من الأعمال والألحان التي أتمنى أن تجد طريقها إلى الجمهور، وبابي مفتوح لكل مشاركة فنية جادة، وما يهمني في النهاية أن يصل العمل إلى الصوت المناسب الذي يستطيع تقديمه بالصورة التي يستحقها.
– لمن تتمنى أن تذهب هذه الألحان التي ما زالت تنتظر التنفيذ؟
أتمنى كثيراً أن تتغنى بهذه الأعمال أصوات شابة جميلة وواعدة من بلدنا الحبيب، وأن تصل هذه الألحان إلى المستمعين
– بعد كل هذه السنوات، هل تعتبر رحلتك الفنية قد انتهت وأصبحت جزءاً من الذكريات؟
لا، الحمد لله ما زلنا موجودين، ونتمنى التعاون مع الآخرين كفنانين وملحنين، ومع أصوات جميلة من بلدنا، سواء كانت أصواتاً رجالية أو نسائية، وأتمنى أن تظهر الأعمال الموجودة لدي وتصل إلى الجمهور
– هل ما ذكرته يمثل كل تفاصيل رحلتك الفنية، أم أن الذاكرة ما زالت تحتفظ بأشياء أخرى؟
هذه أبرز المحطات التي أستطيع تذكرها، وقد تكون هناك أشياء فاتتني ولم أذكرها، لكن هذه هي الرحلة التي أستطيع استعادتها الآن، والحمد لله على كل حال
– إذا أردنا أن نكتب سطراً أخيراً عن منصور أبوعيش بعد هذه الرحلة، فبأي صفة تريد أن تبدأ الجملة؟
أنا بدأت بالغناء منذ الصغر وما زلت مصنفاً كمطرب، لكن المجال الذي وجدت نفسي فيه والذي أراه الأقرب إلي هو التلحين، ولذلك فإن صفة الملحن تمثل جانباً أساسياً جداً من تجربتي الفنية
– ونحن نصل إلى ختام هذا اللقاء، ما الكلمة التي تحب أن نختم بها هذا الحوار؟
الشكر موصول لكم أستاذ محمد، والشكر لصحيفة عنوان وطاقم العمل الرائع وشكراً جزيلاً على الاستماع والاهتمام بهذه الرحلة، ونلتقي دائماً على خير، وأتمنى أن تستمر الأعمال والتعاون وأن ترى الألحان الموجودة لدي النور، والسلام عليكم
بعد هذا الحوار، ربما لا يكون السؤال الأهم هو لماذا ابتعدت بعض الأسماء عن الواجهة، بل لماذا نسمح أحياناً للواجهة أن تحدد لنا من يستحق أن نتذكره
فتاريخ الفن لا يصنعه الذين ظلوا تحت الضوء وحدهم، بل شارك في صنعه أيضاً من كتبوا ولحنوا وجربوا ورافقوا التحولات، ثم مضوا بهدوء تاركين خلفهم أعمالاً وتجارب ربما لم تنل نصيبها الكامل من الحضور
ومنصور عبدالله أبوعيش واحد من تلك التجارب التي تقول لنا إن المسافة بين الفنان والجمهور قد تطول، لكن العمل الجيد يظل قادراً على اختصارها، وربما يكون في أرشيفه اليوم ما ينتظر صوتاً جديداً، أو منتجاً يؤمن به، ليبدأ فصل آخر من الحكاية



