كتاب الرأي

حين يتحول التعليم إلى مظهر اجتماعي

         ✍️ وفاء عبدالعزيز – كاتبة رأي :

وانتهى الأسبوع الأول من العودة إلى المدارس، وبالطبع الآباء والأمهات والمجتمع بأسره لا حديث له طوال تلك الأيام إلا عن المدارس والتحضيرات، وكيف يتجاوزون البداية الشاقة للعام بحيث يستقر التلميذ ويعتاد فكرة رجوعه للمقعد الدراسي عقبَ إجازة قضاها إما على جهازه الإلكتروني، أو منغمسًا في متع الحياة من سهر ورحلات وسفر وغيرها!

كل ذلك جميل ويُشعرك أن هناك حدثًا في الأجواء بعد أن مللت أحداث العطلة الصيفية، ومنشورات السفر والمسافرين، غير أنك في زحام كل ذلك تجد قد فُتح أمامك بابٌ يقودك إلى مضمارٍ جديد يتسابق فيه الأهالي، ألا وهو «المدارس الأهلية الخاصة»؛ وهذه المدارس، ومع تكاثرها في السنوات الأخيرة، أصبحت ظاهرة؛ فلماذا يفضل شريحة من الآباء مدرسة عالمية خاصة، الكادر التعليمي فيها من الأجانب، على المدارس الحكومية لدراسة أطفالهم؟
هل لهذه الدرجة ثقتهم ضعيفة في نظام التعليم وأسس التربية لدينا، فصار الأجنبي هو الأكفأ للنهوض بعقول أبنائهم؟
قبل أن أكتب الإجابة إليكم، هذه القصة التي رواها رجل أعمال في حسابه على أحد مواقع التواصل، من باب النصح لأولياء الأمور، وجاء فيها: أن ابنته عادت من الخارج مؤخرًا لتستقر في المنطقة، وهي تبحث عن مدرسة خاصة لحفيدته، أي ابنتها، وقامت بعمل زياراتٍ ميدانية لبعضها، وتفاجأت أن قسط دراسة الطفلة في إحداها سيكلفها خمسين ألفَ ريالٍ سعودي، وكذلك هناك امتحان للقبول تكلفته مبلغٌ وقدره، وعليها كذلك أن تدفع مبلغًا للكتب والزي المدرسي!

ابنة المتحدث «رجل الأعمال» صرفت النظر عن المدرسة واختارت أخرى برسوم ثلاثين ألف ريال!
والصادم في الموضوع أن المديرة الأجنبية طمأنتها بأن لديهم فصلًا خاصًا لتقوية اللغة العربية لصغار!

أعلم أن البعض يحاول استيعاب ما ذكرت الآن، غير أنها الحقيقة. الطفلة، وللتوضيح، لا تتكلم العربية جيدًا، والأم، لأنها «قلقة» من هذه الناحية، قامت بتسجيلها في مدرسة خاصة أجنبية، جميع المعلمات فيها من بريطانيا والولايات المتحدة؛ بالإضافة إلى تلك الميزة: «فصل تقوية في اللغة العربية»!
حقًا، قرار يثير الحيرة والعجب؟!
في الواقع، هذه السيدة نموذج للعديد من السيدات اللاتي تغرّبن لعددٍ من السنوات خارج الديار، واللاتي يُهملنَّ تعليم صغارهن العربية؛ ناسين أن الطيور ستعود إلى أعشاشها يومًا، وكلنا يرجع إلى أصله وبيئته، وكطفل، هو بحاجة، ومنذ خطواته الأولى، أن يستشعر عروبته، وعاداته، وينهل العلم من ثقافته، وأن تكون لغته الأم هي “الإنجليزية” لن تجعله أبدًا ينتمي لتلك البلد، ولن ينظر له الأجانب إلا كعربي غريب دائمًا.
أما الإجابة على سؤالي المطروح في مقدمة المقال فهي كالتالي:
إن تفضيل فئة من الآباء اليوم المدارس العالمية الخاصة على المدارس الحكومية، نابع من حبهم للمظاهر ومجرد تباهٍ فيما بينهم، وعنصرية عند البعض الآخر، لكي لا يختلط الأبناء إلا بمن هم من مستواهم الطبقي، وهذه حقيقة وافقني عليها الكثير ممن تباحثت معهم في شأن ذلك.
وإن تطرقت لهذه الظاهرة، فليس من أجل محاربة المدارس الأهلية، ففي البعض منها ميزات جيده، كما أن رسوم الالتحاق بها معقولة؛ غير أن الإسراف عند بعض الأشخاص يثير في نفسك الامتعاض والاستنكار، خصوصًا حين ترى الجمعيات الخيرية تجتهد في كل فصل دراسي من أجل أن تجد كافلًا أو محسنًا يعينهم على دفع المصاريف المدرسية للأيتام والمحتاجين من طلبة العلم.

والحق ما يصرفونه من مبالغ على تلك المدارس،
كأم الـ ” ٥٠ ألفًا”، يكفي عددًا كبيرًا من أبناء المحتاجين في دراستهم، وتكفي كذلك لتكون حسابًا بنكيًا استثماريًا لطفلهم ينفعه في المستقبل، فليس من الضرورة أن يلتحق طفل بمدرسة خاصة؛ تعلمنا في مدارس حكومية وتفوقنا، وبعدها في جامعاتها وتخرجنا، وأغلبنا لديه علم وثقافة ولغات، ونبوغ في شتى المجالات، وبارك الله في علمنا.
نعم، بارك في علمنا وما تعلمناه، فالإسراف يُمحق بركة كل شيءٍ يُخالطه، ولكن هناك من اختار ألّا يرى في العلم إلا وسيلة تُكمل مظهره الاجتماعي.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى