كتاب الرأي

جواهر الفكر

✍️ صالح بن سعيد الحمداني ـ كاتب رأي :

من خلال تجربةٍ عشتُ تفاصيلها بين صفحات الأيام وما زلتُ أقلبها يومًا بعد يوم، كل يوم بصفحتها وما تحمله من جمال، أجد نفسي أبحر مع إشراقة كل صباح على متن سفينة الأمل، متنقلًا من مرسى إلى آخر، ومن ميناء إلى ميناء، ترافقني في هذه الرحلة وجوهٌ عزيزة تُنير الحياة بشموع العطاء، وتغرس في النفس شغف التحدي، لنصنع واقعنا بأيدينا؛ بين كُتب العلم، وعلى مقاعد الجامعات، وخطوةً إثر خطوة داخل عالمٍ ثقافي ثري، في مجلسٍ يجمع نخبةً ممن وهبوا أنفسهم للعلم والمعرفة والبحث والثقافة.

هناك تتجلى متعة السعي وروعة التحدي، ونحن نحاول إثبات رؤيتنا في عالمٍ تتسارع إيقاعاته، ويرى فيه البعض الجمال من زاويةٍ أخرى؛ عالمٌ ترتفع فيه قيمة المظاهر، وتُقاس فيه النجاحات بما يلمع على الجسد لا بما يستقر في العقل، تُستعرض الأزياء الفاخرة وتُربط قيمة الإنسان بما يملك من مقتنيات وزينة، أو بمنصب وجاه، وكأن جوهره الحقيقي أصبح أمرًا ثانويًا، غير أن التجربة الإنسانية عبر التاريخ تؤكد حقيقة ثابتة “تسليح العقل بالعلم أسمى وأبقى من تزيين الجسد بالجواهر”؛ فما يزين الجسد يبهت مع الزمن، أما ما يغني العقل فيزداد إشراقًا مع مرور الأيام، فالعاقل يدرك أن العلم ليس ترفًا فكريًا، ولا امتيازًا لفئة دون أخرى، ولا مرحلةً عمرية محدودة إنما أساس بناء الإنسان والمجتمع، فحين يمتلك الإنسان العلم، يمتلك القدرة على الفهم والتحليل واتخاذ القرار، ويغدو أكثر وعيًا بذاته وبالعالم من حوله، قد تمنح الجواهر مظهرًا جذابًا، لكنها لا تصنع احترامًا عميقًا ولا ثقة راسخة، وقد يمنح المنصب مكانة ولكنها تزول بزواله، بينما يصنع العلم مكانة لا تزول، وقيمة تتجاوز الشكل إلى الجوهر، ولم تُخلّد أسماء العظماء عبر التاريخ بما ارتدوه أو امتلكوه ولكنهم خُلدوا بما قدموه من فكرٍ ومعرفة واكتشاف، كثيرٌ من العلماء والمفكرين لم يكونوا أصحاب ثراءٍ مادي، لكنهم امتلكوا عقولًا مضيئة غيّرت مجرى التاريخ، فبقي أثرهم، بينما اندثرت كنوز كانت يومًا محل إعجاب.

إن المظاهر قد تلفت الانتباه لكنها لا تصنع إنسانًا قادرًا على مواجهة تحديات الحياة، فالحياة لا تُدار بما نرتديه بل بما نحمله من وعيٍ وحكمة ومعرفة، عند الأزمات والقرارات المصيرية إذ لا ينقذ الإنسان خاتمٌ ثمين ولا عقدٌ فاخر من موقف يطرأ عليه، ولكن بفكرة صائبة أو علمٌ مكتسب، أو تجربةٌ مفهومة بعمق يمكنه إيجاد الحلول المناسبة لما يبحث عنه، وفي زمننا الحاضر تتضاعف أهمية العلم مع تسارع التطور التكنولوجي والتحولات الاقتصادية والتحديات الاجتماعية؛ إذ لا مكان إلا للعقول القادرة على التعلم المستمر والتكيف، من يكتفي بالمظهر قد يتراجع، أما من يستثمر في عقله فيمتلك القدرة على التجدد مهما تغيرت الظروف، فالعلم قيمة ثابتة لا تُسلب، ولا يعني ذلك إهمال الجمال أو التقليل من شأن المظهر، او من المناصب فهي من واقع الحياة، فالجمال جزء من الذوق الإنساني، والمناصب ضرورة حتمية، لكن الخلل يكمن في اختلال الأولويات، فحين يتقدم الاهتمام بالجسد على حساب العقل يضيع المعنى الحقيقي للنجاح، وعندما نعتمد على المناصب وحدها نفقدها بيوم، التوازن مطلوب غير أن العقل يجب أن يتصدر، لأنه القائد الذي يمنح لكل شيء معناه، والعلم لا يقتصر على الشهادات والدرجات فهو مستمر طيلة العمر ويشمل الثقافة والقراءة وتطوير المهارات وفهم الحياة والناس، إنه رحلة تعلمٍ مستمرة، وثراءٌ يقاس بالأثر لا بالأرقام، فالجواهر قد تُفقد أو تُكسر أما العلم فهو كنزٌ داخلي لا يُنتزع؛ نورٌ في الظلام، وسلاحٌ ضد الجهل، وجسرٌ نحو المستقبل.

ومن خلال خوضي تجارب الحياة العلمية والعملية بين الكتب والبحوث والمشاركات، متنقلًا بين الأفكار، وجدت أن خدمة الذات بالفكر والعمل هي بداية خدمة الآخرين، ومع من يشاركونني هذه الرحلة نمضي بيقينٍ أن الغد أجمل، وأن بالعلم نحصد جواهر الفكر والمعرفة، فنبلغ السمو الإنساني وعلو الهمم، ونخدم أنفسنا ومجتمعنا ووطننا وأمتنا، وأقول كلمة حق:
“وجدتُ في العلم رسالةً سامية، ونورًا للفكر، ووفاءً للنفس، وصفاءً للروح، وراحةً للعقل، وحديقةً للقناعة، وأساسًا للسعادة”.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى