كتاب الرأي

هذه المرّة!

قصة قصيرة

        ✍️ فاطمة ياسين – كاتبة رأي :

هي لا تحب الأماكن المغلقة.

منذ طفولتها، اعتادت بيتًا ريفيًّا بفناء واسع، وجدران كثيرة النوافذ، وشرفة تطل على وادٍ أخضر تحرسه جبال داكنة، تبدو من بعيد كأنها خُلقت لتبقى.

وكانت تحب المطر.

لا أن تمشي تحته، بل أن تراه من الشرفة.

حين يبدأ الموسم، تمتلئ القرية بأصوات الأطفال. يركضون في الوادي، تتلطخ أقدامهم بالطين، وتتعالى ضحكاتهم كلما تعثر أحدهم ثم نهض. يخرج الرجال إلى الممرات، وتطل النساء من الأبواب، ويصبح الوادي الذي ظل أشهرًا ساكنًا كأنه يستعيد قلبه دفعة واحدة.

أما هي، فكانت تكتفي بالشرفة.

تضع يديها على حافتها، وتتابع الجميع بعينين لا تخفيان الفرح.

وفي ذلك الصباح، كان المطر قد بدأ منذ الفجر.

وقفت تتأمل الماء وهو ينحدر من السفوح، ثم رفعت عينيها إلى الجبل المقابل.

كانت تحب أن تتخيله حيًّا.

تساءلت، كما تفعل كل عام:

هل يفرح الجبل بالمطر كما يفرح الوادي؟

لمعت صخوره المبتلة، فابتسمت.

ومن أسفل البيت جاءها صوت جارتها:

— هيا! ارتدي عباءتك وتعالي.

أطلت عليها من الشرفة.

كانت جارتها تقف في الطريق، ترفع طرف عباءتها عن الطين وتلوّح لها.

— انزلي… المطر اليوم لا يُفوَّت!

نظرت إلى الطريق.

إلى الطين تحديدًا.

وغابت الابتسامة عن وجهها.

— اذهبي أنتِ… سألحق بك.

ضحكت جارتها:

— تقولينها كل عام!

ثم مضت.

بقيت واقفة مكانها.

كانت تعرف أنها لن تلحق بها.

لم تفعلها منذ سنوات.

هبّت ريح باردة فدفعت قطرات المطر إلى داخل الشرفة. تراجعت خطوة، وحين وقعت عيناها على قدميها، حدث الأمر كما يحدث دائمًا.

قدم صغيرة تنزلق.

صرخة.

سماء تدور.

حفرة ممتلئة بماء موحل.

وأصابع صغيرة تحاول التشبث بحافتها ولا تجد إلا الطين.

ثم يد قوية تمسك بذراعها.

يد خالتها.

وأصوات نساء يصرخن حولها.

وحين أخرجنها، كانت ترتجف حتى اصطكت أسنانها، فيما ضمتها خالتها إلى صدرها ومسحت الطين عن وجهها.

ثم انحنت إليها وهمست:

— لا تخبري أمك… وإلا فلن تسمح لك بالخروج معي مرة أخرى.

هزت الصغيرة رأسها.

ولم تخبر أحدًا.

لكنها لم تخرج إلى الوادي مرة أخرى أيضًا.

مضت السنوات، وماتت خالتها، وكبرت الطفلة، وبقيت الحفرة في مكانها.

لا في الوادي.

فيها.

قطع أفكارها طرق خفيف على الباب.

— من؟

— أنا يا ابنتي.

دخلت أمها، ثم اتجهت إلى الشرفة.

— ما أجمل الوادي اليوم.

وقفت بجوارها لحظة، تراقب الأطفال يركضون تحت المطر.

ثم التفتت إليها.

— ألا تريدين النزول؟

ابتسمت ابنتها ابتسامة صغيرة.

— تعرفين أنني لا أحب الطين.

لم تجب الأم.

ظلت تنظر إليها قليلًا، ثم قالت:

— إذن أنزل معك.

رفعت عينيها إليها.

— ماذا؟

مدت الأم يدها.

— تعالي.

نظرت إلى اليد، ثم إلى وجه أمها.

— أمي، أنا…

قاطعتها بهدوء:

— هذه المرة لن تتركي يدي.

توقفت أنفاسها لحظة.

هذه المرة؟

حدقت في وجه أمها.

أرادت أن تسألها: ماذا تقصدين؟

كيف عرفتِ؟

هل أخبرتك خالتي؟

هل كنتِ تعرفين طوال هذه السنوات؟

لكن أمها لم تقل شيئًا.

أبقت يدها ممدودة فقط.

وبعد تردد طويل، وضعت ابنتها يدها فيها.

عند أول الطريق، خففت خطواتها.

كلما اقتربتا من الوادي، ازداد خفقان قلبها.

كانت تسمع ضحكات الأطفال، وترى الماء يجري بين الحجارة، لكن عينيها ظلتا معلقتين بالأرض.

بالطين.

وحين وصلتا إلى حافته، توقفت.

شدت على يد أمها.

وفي داخلها استيقظت الطفلة القديمة دفعة واحدة.

الحفرة.

الماء.

الصرخة.

اليد التي انزلقت.

قالت أمها:

— على مهلك.

خطت خطوة.

غاص طرف حذائها في الطين.

توقفت.

لم يحدث شيء.

خطت أخرى.

ثم ثالثة.

كانت أمها إلى جوارها، لكنها بعد خطوات قليلة شعرت أن قبضتها بدأت ترتخي.

التفتت إليها.

كانت الأم تبتسم.

ثم سحبت يدها برفق.

ترددت لحظة، لكنها لم تطلب منها أن تعيدها.

مشت وحدها.

خطوة.

ثم أخرى.

حتى وصلت إلى الأشجار.

كان المطر ينهمر على وجهها وشعرها، والطين يلتصق بحذائها، والأطفال يركضون من حولها.

ضحك طفل صغير حين انزلقت قدمه وسقط.

شهقت دون أن تشعر.

لكن الصغير نهض، نظر إلى ثيابه الموحلة، ثم انفجر ضاحكًا وواصل الركض.

ضحكت هي أيضًا.

رفعت رأسها إلى الجبل.

كان في مكانه، كما كان دائمًا.

ثم التفتت إلى البيت.

رأت شرفتها بعيدة، فارغة، تطل على الوادي.

ظلّت تنظر إليها لحظة.

ثم أدارت لها ظهرها، ومضت أعمق في الطين.

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى