العرعر.. شجرة الجبال وذاكرة المكان🌺

✍️فاطمة الغامدي – كاتبة رأي :
في أعالي الجبال، حيث يلامس الضباب قمم المرتفعات، وحيث تتنفس الأرض هواءً نقيًّا وتكتسي المنحدرات بالخضرة، تقف أشجار العرعر شامخةً في مشهدٍ يختصر جمال الطبيعة السعودية وثراءها. إنها شجرة ليست كغيرها من الأشجار؛ فهي جزء من هوية المكان، وعنصر مهم في بيئته، وذاكرة حيّة ارتبطت بالجبال وأهلها عبر أجيال طويلة.
وتُعد شجرة العرعر من الأشجار المعمّرة دائمة الخضرة، وتنتمي إلى جنس Juniperus من الفصيلة السروية. وتتميز بأوراقها الإبرية أو الحرشفية ورائحتها العطرية، كما تنتج مخاريط لحمية تُعرف باسم «توت العرعر»، وتميل عند نضجها إلى اللون الأزرق أو الأسود.
العرعر في جبال المملكة
تنتشر أشجار العرعر بصورة لافتة في المرتفعات الجنوبية والغربية من المملكة العربية السعودية، ومن أبرز مواطنها مناطق عسير والباحة، حيث تجد الظروف الجبلية المناسبة لنموها.
وفي منطقة الباحة، تمثل أشجار العرعر جزءًا أصيلًا من المشهد الطبيعي للجبال والغابات، وتمنح المكان طابعًا خاصًا يصعب أن يكتمل من دونها. فهي ليست مجرد أشجار تنمو في البرية، بل مكوّن من مكونات النظام البيئي الجبلي، ووجودها شاهد على ثراء التنوع النباتي في المنطقة.
شجرة تؤدي أدوارًا بيئية مهمة
تكمن قيمة العرعر في أنه يؤدي أدوارًا تتجاوز جماله الطبيعي. فالأشجار المعمّرة في البيئات الجبلية تسهم في المحافظة على التربة، وتوفير موائل للكائنات الحية، وتحسين المشهد الطبيعي، والمساعدة في الحد من تأثير الرياح والعوامل المناخية.
كما تسهم الغطاءات النباتية بصورة عامة في تحسين جودة البيئة واحتجاز الكربون والمحافظة على التوازن البيئي. ولذلك فإن المحافظة على أشجار العرعر ليست حفاظًا على نوع نباتي فحسب، بل هي مساهمة في حماية منظومة بيئية كاملة.
العرعر.. من الطبيعة إلى حياة الإنسان
عرف الإنسان العرعر منذ القدم واستفاد منه بطرق متعددة. فقد استُخدمت أجزاء منه في بعض الممارسات الشعبية التقليدية، كما تُستخدم ثمار بعض أنواع العرعر في الطهي كنوع من التوابل، وتدخل الزيوت المستخلصة منه في بعض الصناعات العطرية والتجميلية.
لكن من المهم التفريق بين الاستخدامات الشعبية والتقليدية وبين الاستخدام الطبي المثبت علميًا؛ فليس كل ما نُسب إلى العرعر من فوائد علاجية مثبتًا بالدراسات السريرية، كما أن تناول مستخلصاته أو زيوته بكميات كبيرة قد يكون ضارًا. لذلك لا ينبغي استخدامه كبديل عن العلاج الطبي أو تناول مستحضراته بهدف علاج مرض دون استشارة مختص.
لماذا يجب أن نهتم بالعرعر؟
تواجه الأشجار المعمّرة في البيئات الجبلية تحديات متعددة، منها التغيرات المناخية، وتراجع الغطاء النباتي في بعض المواقع، والاحتطاب، والحرائق، والتوسع العمراني، والأنشطة البشرية غير المنظمة.
ومن هنا تبرز مسؤوليتنا في حماية أشجار العرعر والمحافظة على موائلها الطبيعية. فالشجرة التي احتاجت عقودًا طويلة لتنمو لا يمكن تعويضها بسهولة إذا فُقدت.
والحفاظ عليها يبدأ من الوعي: عدم قطع الأشجار أو الإضرار بها، المحافظة على الغابات أثناء التنزه، تجنب إشعال النار في المواقع الحساسة، الإبلاغ عن الممارسات التي تضر بالغطاء النباتي، ودعم مبادرات التشجير وإعادة تأهيل المناطق المتدهورة.
العرعر ليس شجرة فقط
حين ننظر إلى شجرة العرعر، قد نرى جذعًا وأغصانًا وأوراقًا خضراء، لكن قيمتها الحقيقية أكبر من ذلك بكثير.
إنها جزء من الجبل، وعنصر من عناصر التنوع الحيوي، وموطن لكائنات أخرى، وواجهة من واجهات الطبيعة السعودية، وامتداد لذاكرة الإنسان في المناطق الجبلية.
وفي الباحة، حيث تتعانق الجبال مع السحب وتنتشر الغابات في مشاهد آسرة، يبقى العرعر واحدًا من أبرز الرموز الطبيعية التي تستحق أن نحافظ عليها ونعرّف الأجيال القادمة بقيمتها.
رسالة إلى الجيل القادم
قد لا يشعر الإنسان بأهمية شجرة معمّرة إلا عندما يراها مهددة بالاختفاء. ولذلك فإن حماية العرعر مسؤولية مشتركة بين الجهات المختصة والمجتمع والزوار وأبناء المناطق الجبلية.
لنحافظ على العرعر لأنه شجرة معمّرة لا تتكرر بسرعة، ولأنه جزء من جمال الباحة وعسير، ولأن حماية الأشجار اليوم تعني أن نترك للأجيال القادمة جبالًا أكثر خضرة وبيئة أكثر توازنًا.
العرعر ليس مجرد شجرة في الجبل؛ إنه جزء من هوية المكان، وذاكرة الطبيعة، وأمانةٌ تستحق أن نحفظها.
للتواصل : [email protected]



