كتاب الرأي

وماذا بعد الذكاء الاصطناعي؟

من ثورة المعلومات إلى مستقبل لا نعرف حدوده

   ✍🏻 رشيد محمد آل جلي- كاتب سعودي :

لم يدر بخلد الإنسان، إلى وقت قريب، أن يشهد هذا التدفق الهائل للمعلومات، ولا أن تتسارع التقنية إلى الحد الذي أصبح فيه العالم كله أقرب من أي وقت مضى.

فمن الصحيفة الورقية، إلى الإذاعة والتلفزيون، ثم القنوات الفضائية، وصولاً إلى الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي؛ رحلة تقنية اختصرت المسافات، وغيّرت مفهوم الإعلام، وجعلت المعلومة تصل إلى ملايين البشر في اللحظة نفسها.

ثم جاء الذكاء الاصطناعي ليضع العالم أمام فصل جديد من فصول الثورة التقنية؛ فصل لا يكتفي فيه الحاسوب بتخزين المعلومات أو عرضها، بل أصبح قادراً على تحليلها، والكتابة، والترجمة، والتصميم، والبرمجة، وتوليد الصور والمقاطع، والمساعدة في البحث واتخاذ كثير من الخطوات العملية.

لقد انتقلنا من عصر كان الإنسان يبحث فيه عن المعلومة، إلى عصر أصبحت فيه المعلومة تأتي إليه، ثم إلى مرحلة بدأت فيها الأنظمة الذكية تساعده على تحليلها وصياغتها والاستفادة منها.

الذكاء الاصطناعي.. الوجه المشرق

لا يمكن إنكار أن الذكاء الاصطناعي فتح أبواباً واسعة أمام الإنسان.

في التعليم يمكن أن يكون معلماً مساعداً يشرح ويبسّط ويقترح طرقاً مختلفة للتعلم، وفي الطب يمكن أن يدعم المختصين في تحليل كميات ضخمة من البيانات، وفي الصناعة يمكن أن يرفع الكفاءة ويقلل الهدر، وفي الإعلام يمكن أن يساعد الكاتب والمحرر والمصمم، وفي الأعمال يمكن أن يختصر ساعات طويلة من المهام المتكررة.

ولعل أعظم ما يقدمه الذكاء الاصطناعي أنه يمنح الإنسان وقتاً ومساحة أكبر للتفكير والإبداع إذا أحسن استخدامه.

لكن كل قوة تحمل في داخلها مسؤولية، وكل تقنية عظيمة يمكن أن تكون نعمة أو نقمة بحسب طريقة استخدامها.

حين يصبح الذكاء الاصطناعي تحدياً

الوجه الآخر لهذه الثورة لا يمكن تجاهله.

فالمحتوى المصطنع أصبح قادراً على إنتاج صور وأصوات ومقاطع قد يصعب على المتلقي العادي التحقق من حقيقتها، كما أن انتشار المعلومات غير الدقيقة والمضللة يمثل تحدياً متزايداً.

وهناك أيضاً قضايا الخصوصية وحماية البيانات، والاحتيال الرقمي، وتأثر بعض الوظائف والمهارات نتيجة أتمتة عدد متزايد من المهام.

لكن ربما يكون الخطر الأكبر أكثر هدوءاً وأقل وضوحاً:

أن يتوقف الإنسان عن التفكير لأنه وجد من يفكر نيابة عنه.

فالاعتماد الكامل على الآلة قد يجعل بعض الناس أسرع في إنجاز المهام، لكنه قد يجعلهم أقل صبراً على البحث، وأقل ممارسة للتحليل، وأضعف قدرة على التحقق.

ولهذا فإن المطلوب ليس رفض الذكاء الاصطناعي، وإنما امتلاك الوعي الذي يجعلنا نستخدمه دون أن نسمح له باستخدام عقولنا بالنيابة عنا.

وماذا بعد الذكاء الاصطناعي؟

هنا يبدأ السؤال الأكثر إثارة:

إذا كان هذا ما وصلنا إليه اليوم، فماذا ينتظرنا غداً؟

لا أحد يستطيع أن يرسم صورة دقيقة للمستقبل، لكن المؤشرات الحالية تسمح لنا بتصور بعض التحولات المحتملة.

قد ننتقل من الذكاء الاصطناعي الذي يجيب عن أسئلتنا إلى أنظمة قادرة على تنفيذ سلسلة من المهام نيابة عنا؛ تبحث، وتخطط، وتنسق، وتستخدم أدوات مختلفة للوصول إلى نتيجة محددة.

وقد يصبح المساعد الذكي جزءاً من حياتنا اليومية؛ يساعد في التعلم والعمل وتنظيم الوقت وإدارة المعلومات.

وقد نشهد كذلك توسعاً أكبر في العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والروبوتات، بحيث تنتقل القدرات الذكية من شاشات الهواتف والحواسيب إلى العالم الحقيقي؛ في المصانع والمستودعات والمستشفيات والمنازل وغيرها.

وربما يصل الإنسان إلى مرحلة يصبح فيها التعاون بين الإنسان والآلة أكثر تكاملاً، بحيث يتولى الإنسان الرؤية والقرار والقيم، بينما تتولى الأنظمة الذكية معالجة كميات هائلة من المعلومات وتنفيذ المهام بسرعة ودقة متزايدة.

وقد تظهر بعد ذلك تقنيات جديدة لا نستطيع اليوم حتى أن نضع لها اسماً واضحاً.

وهذا هو المثير في المستقبل؛ أننا لا نعرف أين ستكون نقطة النهاية، وربما لا تكون هناك نقطة نهاية أصلاً.

الإنسان.. قبل التقنية

وسط هذا التسارع كله، يبقى السؤال الأهم متعلقاً بالإنسان لا بالآلة.

ماذا سيحدث للإنسان عندما تصبح الآلة أكثر قدرة؟

هل سيصبح أكثر علماً أم أكثر اتكالاً؟

أكثر إبداعاً أم أكثر اعتماداً؟

أكثر قدرة على صناعة المستقبل أم أكثر تعلقاً بما تصنعه الآلات؟

إن مستقبل التقنية لن تحدده الآلات وحدها، وإنما سيحدده الإنسان الذي يصممها ويستخدمها ويضع لها القواعد والضوابط.

فالآلة تستطيع أن تجمع المعلومات، لكنها لا تمنح المعلومة قيمتها الأخلاقية.

وتستطيع أن تنتج الكلمات، لكنها لا تتحمل وحدها مسؤولية أثرها.

وتستطيع أن تقترح القرار، لكن الإنسان هو الذي ينبغي أن يدرك تبعاته ويتحمل مسؤوليته.

ولهذا فإننا بحاجة إلى إنسان أكثر وعياً، لا إلى آلة أكثر ذكاءً فقط.
ختاماً
ربما كان آباؤنا قبل عقود ينظرون إلى الهاتف المتنقل باعتباره ضرباً من الخيال، وربما كنا نحن قبل سنوات قليلة نستغرب الحديث عن آلة تكتب مقالاً أو ترسم لوحة أو تنتج مقطعاً خلال دقائق.

واليوم أصبح ذلك واقعاً نعيشه.

وغداً قد نعيش ما هو أبعد بكثير مما نستطيع تصوره الآن.

لذلك فإن الاستعداد للمستقبل لا يكون بالخوف من التقنية، ولا بالانبهار بها، وإنما بفهمها وحسن استخدامها، مع المحافظة على ما يجعل الإنسان إنساناً: العقل والوعي والقيم والمسؤولية.

فالتقنية تتغير، والوسائل تتطور، والآلة تزداد ذكاءً، لكن تبقى هناك حقيقة لا ينبغي أن تغيب:

ليس أعظم إنجاز أن نصنع آلة تفكر، بل أن نحافظ على إنسان يفكر.

وليس المستقبل لمن يملك التقنية وحدها، وإنما لمن يملك الوعي الذي يحسن توجيهها.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى