قسم مسودات

حين تصبح العائلة هي العدو الاول !!

      ✍️ زيــن ايمن سلامه – كاتب رأي :

هناك أشياء في الحياة لا تُقاس بالمال، ولا تُشترى بالمناصب، ولا تُقدّر بالأرقام، ومنها العائلة.

فالعم لم يكن يومًا مجرد شقيق للأب، والخال لم يكن مجرد شقيق للأم، والقريب لم يكن مجرد شخص تربطنا به صلة دم. كان العم أبًا عند الحاجة، وكان الخال سندًا، وكانت العائلة ملجأً، وكان القريب يُراعى في ضعفه، ويُساند في حاجته، وتُحفظ له مكانته حتى في أوقات الاختلاف.

لكن يبدو أننا وصلنا إلى مرحلة مؤلمة أصبحنا فيها بحاجة إلى أن نسأل: أين ذهبت كل هذه المعاني؟

كيف وصل بنا الحال إلى أن يصبح العم ليس بعم، والخال ليس بخال، والقريب ليس بقريب؟

كيف أصبحت صلة الدم عاجزة أحيانًا عن صناعة الرحمة والمودة؟

لقد أصبح المال في بعض العلاقات أقوى من القرابة، وأصبحت المصلحة عند البعض أهم من العِشرة، وأصبح القريب ينظر إلى قريبه باعتباره منافسًا أو طرفًا في معادلة مالية، بدل أن ينظر إليه باعتباره أخًا وسندًا وشخصًا تجمعه به سنوات من الذكريات.

وصل الحال بنا إلى أن ينهش بعضنا بعضًا من أجل المادة، وكأننا لم نعد نرى الإنسان الذي يقف أمامنا، بل نرى فقط ما يمكن أن نحصل عليه منه.

أصبح البعض يسأل: ماذا سأستفيد؟ ماذا سأحصل؟ ماذا سيعود عليّ؟

وقليلون من يسألون: هل يحتاج؟ هل يستطيع؟ هل يمر بظرف صعب؟ هل لديه أبناء والتزامات؟ هل ما سأحصل عليه سيؤثر في حياته؟ هل يمكنني أن أراعي ظروفه بدلًا من أن أضغط عليه؟

أصبح شعار المرحلة عند البعض: نفسي أولًا، ثم نفسي، ثم نفسي.

أما الآخرون، فليدبروا أمورهم بأنفسهم.

اختفت شيئًا فشيئًا ثقافة “راعِ ظروف أخيك”، و”اجبر خاطر قريبك”، و”قف مع أهلك وقت الحاجة”، وحل محلها منطق: “خذ حقك كاملًا، ولا تنظر خلفك”.

وليس الخطأ في أن يطالب الإنسان بحقه، فالحقوق لا تسقط، ولا يجوز لأحد أن يظلم نفسه من أجل الآخرين.

لكن هناك فرق كبير بين أن تأخذ حقك، وبين أن تستغل حاجة غيرك.

هناك فرق بين أن تحافظ على مالك، وبين أن تجعل المال سببًا لقطع رحم.

هناك فرق بين أن تختلف مع قريبك، وبين أن تنزع من قلبك كل معاني الرحمة تجاهه.

المشكلة ليست في المال وحده، فالمال موجود منذ أن عرف الإنسان الحياة، وإنما المشكلة عندما يصبح المال هو المعيار الذي نقيس به الأشخاص والعلاقات.

عندما يكون القريب عزيزًا ما دام نافعًا، ويصبح غريبًا عندما يحتاج.

عندما نقترب ممن يملك، ونبتعد ممن يحتاج.

عندما نفرح بنجاح القريب إذا كان لا يؤثر في مصالحنا، ونحزن لنجاحه إذا شعرنا أنه سبقنا.

عندما تتحول الأخوة إلى حسابات، والعمومة إلى مصالح، والخؤولة إلى مواقف مشروطة، والقرابة إلى منافسة.

هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القلوب.

لقد أصبحنا نعيش في عائلات كبيرة، ولكن بروح صغيرة.

بيوت متقاربة، وقلوب متباعدة.

أسماء عائلية واحدة، ولكن مصالح متصارعة.

موائد تجمعنا، وأموال تفرقنا.

أفراح نحضرها معًا، وأحزان يعيشها كل شخص بمفرده.

والأكثر ألمًا أن البعض أصبح لا يرى ظروف الآخرين ولا احتياجاتهم ولا سنوات العِشرة التي تجمعه بهم. المهم أن يحصل على ما يريد، حتى لو كان ما سيحصل عليه على حساب راحة أخيه أو قريبه أو مستقبله.

فأين ذهبت المروءة؟

أين ذهبت الشهامة؟

أين ذهب تقدير العِشرة؟

أين ذهبت فكرة أن الإنسان قد يحتاج منك موقفًا لا مالًا، ومراعاة لا تنازلًا، وكلمة طيبة لا صفقة؟

نحن لا نطالب أحدًا بالتنازل عن حقوقه، ولكننا نحتاج أن نتذكر أن الإنسان ليس مجرد رقم في حساب بنكي، وأن القريب ليس مجرد شريك في إرث، وأن الأخ ليس منافسًا، وأن العم والخال ليسا مجرد مسميين في شجرة العائلة.

العائلة قيمة.

والقرابة مسؤولية.

وصلة الرحم ليست مجرد زيارات ومناسبات وصور جماعية؛ صلة الرحم تظهر عندما يضعف القريب، وعندما يحتاج، وعندما يمر بظرف، وعندما يكون قادرًا على الأخذ ولكنه يحتاج منك أن تراعيه.

والسؤال الأخطر اليوم ليس: ماذا سنكسب؟

بل: ماذا سنترك لأبنائنا؟

ماذا سيتعلم الطفل عندما يرى عمه يخاصم والده بسبب المال؟

ماذا سيتعلم عندما يرى أبناء العائلة يتصارعون على الإرث؟

ماذا سيتعلم عندما يرى القريب لا يقف مع قريبه إلا إذا كانت هناك مصلحة؟

نحن لا نربي أبناءنا بالكلام فقط، بل بما يرونه أمامهم.

فإذا علمناهم أن المال أهم من الإنسان، وأن المصلحة أهم من القرابة، وأن القوي يأخذ ولا يلتفت إلى ظروف الضعيف، فلا نستغرب عندما يكبرون وهم يحملون المبدأ نفسه.

وربما يأتي يوم يصبح فيه أبناؤنا أكثر قسوة منا، لأننا نحن من علمناهم أن يقولوا: نفسي نفسي.

في النهاية، ليس العيب أن نختلف.

وليس العيب أن نطالب بحقوقنا.

وليس العيب أن نحافظ على أموالنا.

العيب أن نعرف حاجة قريبنا ثم نتجاهلها.

العيب أن نعرف ظروفه ثم نضغط عليه.

العيب أن نستغل صلة الرحم بدل أن نحميها.

العيب أن يتحول العم إلى خصم، والخال إلى غريب، والأخ إلى منافس، والقريب إلى عدو.

قد نربح أرضًا، وقد نربح منزلًا، وقد نربح قضية، وقد نربح معركة مالية، ولكننا قد نخسر في المقابل عائلة كاملة.

والسؤال الذي يجب أن يسبق كل خلاف:

هل ما أريد الحصول عليه يستحق أن أخسر من أجله إنسانًا من دمي؟

فالمال يُقسم، والميراث يُقسم، والممتلكات تُقسم، ولكن العائلة إذا انقسمت، قد لا تجتمع أبدًا.

ويا ليتنا ندرك ذلك قبل فوات الأوان، لا بعد أن يصبح العم ليس بعم، والخال ليس بخال، والقريب ليس بقريب، وتصبح العائلة مجرد أسماء تجمعها الأوراق وتفرقها المصالح .

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى