
✍️فاطمة ياسين – كاتبة وقاصة :
_____
ذهبتُ إلى الشاطئ قبل أن تستيقظ المدينة تمامًا.
كانت الشمس تصعد على مهل، ويتسع ضوؤها فوق الماء شيئًا فشيئًا. في البعيد، بدت السفن كتلًا داكنة بين البحر والسماء، فيما كانت الزوارق الصغيرة تتهادى قريبًا من الساحل، وتحوم فوقها النوارس في دوائر واسعة.
مشيت بمحاذاة الشاطئ قليلًا، ثم اخترت مقعدًا يواجه البحر وجلست.
أخرجت قطعة خبز، فتتها بين أصابعي، ونثرت بعض الفتات أمامي. هبط نورس، ثم آخر، وسرعان ما صار حول المقعد سرب صغير يتقدم ويتراجع في حذر.
كنت أراقبه حين سمعت خطوات تقترب من خلفي.
التفتُّ.
رجل يرتدي سترة داكنة تشبه سترات رجال الأمن، ويحمل عددًا من الأعمدة القصيرة. لم يقل شيئًا. وضع واحدًا منها على بعد خطوات مني، ثم انتقل إلى الجهة الأخرى ووضع ثانيًا.
صدر رنين حاد.
انتفضت النوارس وابتعدت.
أما الرجل فواصل عمله.
ثبت عمودًا ثالثًا خلف المقعد.
راقبته لحظات، ثم عدت بنظري إلى البحر. جئت لأرى الشروق، لا لأبحث عن تفسير لكل ما يحدث حولي.
ألقيت كسرة خبز باتجاه نورس ظل قريبًا، فسقطت الكسرة عند قدمي وتدحرجت تحت المقعد.
انحنيت لألتقطها.
وتوقفت يدي.
تحت المقعد امتدت بقعة كبيرة من سائل أحمر داكن.
حدقت فيها.
تراجعت يدي عن كسرة الخبز.
ورفعت رأسي ببطء نحو الرجل.
كان قد ابتعد قليلًا، ثم عاد يحمل عمودًا آخر.
نظرت إلى البقعة مرة ثانية.
دم؟
حاولت أن أطرد الفكرة.
لكنها، بدلًا من أن تغادر، بدأت تجمع حولها كل ما رأيته منذ وصول الرجل.
السترة الداكنة.
الأعمدة التي أخذت تحيط بالمكان.
الرنين المزعج.
والبقعة الحمراء تحت مقعدي.
فجأة لم تعد سترة الرجل مجرد سترة. ولم تعد الأعمدة أجهزة مجهولة. بدا كل شيء وكأنه جزء من أمر حدث هنا قبل أن أصل.
حتى البحر الذي جئت من أجله انسحب من المشهد.
بقي الرجل.
والبقعة.
وأنا.
قلت لنفسي إن الأمر سخيف. لو وقعت جريمة هنا، لما تُرك المكان هكذا. ولما جلست امرأة فوق أدلتها تطعم النوارس دون أن يمنعها أحد.
ابتسمت للفكرة، محاولةً السخرية من نفسي.
لكن الرجل وضع عمودًا آخر.
هذه المرة إلى الجهة المقابلة.
اختفت الابتسامة.
ماذا لو كان يطوق المكان؟
وماذا لو كنتُ، من حيث لا أدري، في وسط شيء لا علاقة لي به؟
والأسوأ:
ماذا لو ظن أن لي علاقة به؟
نظرت حولي. كان الشاطئ هادئًا أكثر مما ينبغي.
ثبت الرجل العمود الأخير.
لم أعد أحتمل.
— لو سمحت.
التفت إليّ بهدوء:
— نعم؟
— ماذا تفعل؟
نظر إلى ما في يده، ثم قال:
— نجهز المكان للتنظيف.
أشرت إلى الأعمدة:
— وهذه؟
— أجهزة لإبعاد الطيور حتى ننظف المكان.
وكأن أحدها أراد أن يؤكد كلامه، فأطلق رنينه الحاد. ابتعد نورسان كانا يحاولان الاقتراب.
تنفست.
كدت أضحك من نفسي.
لكن شيئًا واحدًا بقي بلا جواب.
أشرت إلى أسفل المقعد.
— وهذا؟
اقترب الرجل خطوة.
— ماذا؟
— هذه البقعة.
انحنى قليلًا ونظر إليها.
طال صمته لثوانٍ بدت لي أطول مما ينبغي.
ثم اعتدل وقال:
— هذه؟
— نعم.
نظر إليها مرة أخرى.
— كركديه.
حدقت فيه.
— ماذا؟
— عصير كركديه. يبدو أن أحدهم سكبه هنا.
صمتُّ.
نظر الرجل إلى وجهي، ثم إلى البقعة، ثم عاد إليّ.
ظهرت ابتسامة صغيرة على وجهه.
— خير إن شاء الله… ماذا كنتِ تظنينه؟
— لا شيء.
خرجت مني الإجابة أسرع مما ينبغي.
ابتسم أكثر، وحمل أحد الأعمدة ومضى.
بقيت في مكاني لحظات.
نظرت إلى البقعة تحت المقعد.
لم يتغير لونها.
لم يتغير حجمها.
ولم تتحرك من مكانها.
كل الذي تغير هو ما رأيته أنا.
قبل دقائق، كان هناك رجل أمن لم يكن رجل أمن، وطوق لم يكن طوقًا، وجريمة لم تقع، ومشتبه بها لم يتهمها أحد.
أما الحقيقة كلها، فكانت تحت قدمي منذ البداية:
شخص ما شرب عصيرًا، وسكب بعضه، ثم مضى.
نهضت وحملت حقيبتي.
كانت الشمس قد ارتفعت، وعاد البحر إلى المشهد، وعادت السفن، وعادت النوارس تحاول الاقتراب كلما سكتت الأجهزة.
مررت بالرجل في طريقي إلى الخارج.
رفع رأسه إليّ وقال ضاحكًا:
— متأكدة ما تحتاجين الشرطة؟
ضحكت هذه المرة.
ومضيت.
بعد خطوات، التفتُّ إلى المقعد.
ثم إلى البقعة الحمراء تحته.
كان كل شيء في مكانه.
إلا الحكاية التي كانت هناك قبل قليل.
______



