المجرور ذاكرة الطائف التي لا تمشي على خطى الماضي بل تصنع إيقاع المستقبل

عنوان- الطائف- سمسمه السعيد :
الطائف مدينة تختزن في تفاصيلها حكايات أجيال تعاقبت على المكان وتركت في موروثه الشعبي ملامح حياة لا تزال حاضرة حتى اليوم وفي قلب هذه الذاكرة يبرز المجرور بوصفه أحد الفنون الشعبية التي اختصرت علاقة الإنسان بمحيطه وحولت الإيقاع والحركة إلى لغة تحفظ ملامح المجتمع وتستعيد حضوره من جيل إلى آخر.
ولسنوات طويلة ظل المجرور جزءا من المشهد الاجتماعي والثقافي في الطائف حاضرا في المناسبات والاحتفالات ومجالس الأهالي حيث تتجسد فيه روح الجماعة ويتحول الأداء الشعبي إلى مشهد يروي جانبا من تاريخ المكان ويعكس تنوع موروثه وخصوصية هويته.
وتتجاوز أهمية المجرور كونه فنا أدائيا إلى كونه مكونا من مكونات الذاكرة الشعبية فالخطوات المتناسقة والإيقاع المتوارث والأهازيج المصاحبة تشكل معا صورة حية لمجتمع حافظ على تقاليده ومنحها قدرة على الاستمرار رغم تغير أنماط الحياة وتسارع التحولات الاجتماعية.
وفي زمن تتجه فيه الأنظار إلى الثقافة بوصفها رافدا رئيسيا من روافد التنمية والهوية الوطنية يأتي حضور المجرور ليؤكد أن الفنون الشعبية قادرة على الجمع بين الأصالة والتجدد وأن الموروث حين يحظى بالعناية والتوثيق والتقديم الملائم يستطيع أن ينتقل من ذاكرة الآباء إلى فضاء الأجيال الجديدة دون أن يفقد روحه.
ويمنح المجرور أبناء الطائف فرصة لاستعادة جزء من هويتهم الثقافية كما يمنح الزائر صورة مختلفة عن المدينة تتجاوز معالمها الطبيعية والتاريخية إلى تفاصيل الإنسان الذي صنع ثقافتها وحافظ على موروثها وأضاف إليه من تجربته وحضوره.
إن استمرار المجرور ليس مجرد استمرار لفن شعبي بل استمرار لذاكرة جماعية تختزن قصص المكان وتحولات المجتمع وتمنح الماضي حضورا في الحاضر فكل إيقاع فيه يحمل أثرا من زمن مضى وكل خطوة تستعيد ملامح جيل وكل أداء جديد يفتح الطريق أمام جيل آخر ليحمل الأمانة ويواصل الحكاية.
وهكذا يبقى المجرور في الطائف أكثر من فن تتوارثه الأجيال فهو ذاكرة تتحرك وإيقاع ينبض وهوية تتجدد ورسالة تؤكد أن المدن العريقة لا تحفظ تاريخها في الحجر وحده بل تحفظه أيضا في أصوات أهلها وخطواتهم وفنونهم التي تظل حية ما دام هناك من يؤمن بأن التراث هو أحد مفاتيح المستقبل.



