“حين يَهزم الوهمُ الحقيقة”

✍️سارة الأنصاري – كاتبة رأي :
كنتُ أراك تحمل أمتعتك، كأنك تهرب مني،
تودّع بعضي، وتمضي غير مدركٍ أنك تحملني معك
استوقفني جزء من مشهد وقعت عليه عيني وانا أقرأ روايتي الجديدة التي لم تُنشر بعد…
المشهد يشبه بابًا يُغلق في الظاهر، لكنه يظل مفتوحًا في الداخل، تتنفس اعماقنا الهواء من خلاله كنفق بلا نهايه ممتلئ بالهواء ولكنه خانق بلا نفس.
مشهد يحمل دهشة الاعمى الذي يبصرك و المغادر الذي لا يرحل والصمت الصاخب، والضجيج الصامت
انه يشبه الاشخاص الذين لا يغادرون كاملين، و لا نبقى بعدهم كما نحن عليه. يترك كلٌّ منا في الآخر جزءًا من نفسه، ينتقلون من ضيق قلوبنا إلى موضعٍ أشد ضيقً في صدورنا. يقيمون هناك كأنفاسٍ ثقيلة، لا تجد سبيلًا إلى المغادرة. فلا يعود المرء قادرًا على تسمية ما يشعر به؛ أهو خوفٌ من الفراغ، أم خيبةٌ من المصير، أم حزنٌ عاجز أن يمنح نفسه اسمًا.
أقسى الوداعات ليست تلك التي تُقال عند محطات السفر، وإنما تلك التي تنشأ بين قلبين كانا يظنان أن ما بينهما اكثر قوة وصلابة من ان تهدمه كلمة، فإذا بالوهم يسبق الحقيقة إلى الحكم، وبالظن يرفع صوته حتى يخفت صوت العمر كله.
كم من علاقةٍ لم يقتلها الغياب، وإنما قتلتها الحكايات التي لم تقع، والعبارات التي لم تُقل، والأسئلة التي لم تُطرح، لأن الوهم كان أسرع من اليقين.
مؤلمٌ أن تكتشف أن الحقيقة لم تُهزم لأنها كانت ضعيفة، بل لأنها كانت صامتة، بينما كان الوهم أكثر قدرةً على الظن. فالظنون لا تحتاج إلى برهان كي تكبر، أما الحقيقة فتحتاج إلى قلبٍ يؤمن بها لتبقى.
ولهذا، فإن الثقة لا تنهار في اللحظة التي نسيء فيها الفهم، بل في اللحظة التي نتوقف فيها عن السؤال عن الحقيقة. فالسؤال جسر، أما الظن هاوية.
في لحظة يأخذ كلٌّ منا نفسًا عميقًا يملأ به صدره، عاجزين عن التجاوز؛ فالأحبة لا يسكنون الذاكرة فحسب، بل يقيمون بين نبضات القلب، ويرافقون الأرواح في صمتها الطويل.
لذلك، حافظوا على أحبتكم كما تحافظون على سلامة قلوبكم؛ فالقلب الذي يعتاد الفقد لا يشفى بسهولة، والروح التي تؤمن بالوهم تخسر أكثر مما تتخيل. وما من مرارةٍ أشد من فوات الاوان
فليس كل فراقٍ رحيلًا، ولكن كل وهمٍ يُصدَّق قد يكون بداية فقدٍ لا نهاية له ، وإن ظل الجميع على قيد البقاء.
للتواصل : [email protected]



