كتاب الرأي

الباحة والبن الملكي.. كلمات من تاريخ القهوة السعودية

✍️د. سعيد بن عبدالله آل جفشر – كاتب سعودي :

ارتبطت القهوة بتاريخ العرب في جزيرة العرب وحياتهم الاجتماعية، وحملت في دلتها وفنجانها معاني الترحيب والكرم والتقدير. وقد أحاطت ببدايات اكتشافها روايات وأساطير، وأصبحت مع انتشارها وتداولها جزءًا من ثقافة المجالس والضيافة، قبل أن تتسع رحلتها إلى سائر البلدان، وتصبح مشروبًا عالميًا تتنوع طرق إعداده وآداب تقديمه.

وفي الجزيرة العربية، حضرت القهوة في الشعر والأمثال، وتوارث الناس معارف تحميصها وطحنها وإعدادها. وتنوعت نكهاتها وما يضاف إليها بين منطقة وأخرى، في تنوع يعكس ثراء البيئة والثقافة، ويمنح كل مجتمع بصمته في هذا الموروث المشترك.

وفي المملكة العربية السعودية، أصبحت القهوة رفيقةً للمناسبات واللقاءات اليومية والرسمية، ولتقديمها آداب تتناقلها الأجيال، وللفناجين مسميات في الموروث الشعبي، منها «الهيف والضيف والكيف والسيف»، ولكل منها معناه الخاص. ومن آداب تقديمها مراعاة منزلة الضيف وكبير السن، وصب مقدار يسير في الفنجان وتجديده، وهزّه عند الاكتفاء؛ وهي تفاصيل تكشف مكانة الضيافة في وجدان السعوديين.

وفي هذا المشهد الوطني، تتميز منطقة الباحة بإرثها في زراعة البن، وفي مقدمته البن الشدوي الذي تنبت أشجاره في جبلي شدا الأعلى والأسفل. هناك تتصل حكاية القهوة بالمدرجات الزراعية وخبرة المزارعين، وبمعارف العناية بالشجرة وجني ثمارها وتجفيفها، التي توارثتها الأسر، فصار البن جزءًا من تاريخ المكان ومعاش أهله.

وقد وصف الشيخ حمد الجاسر سوق الخميس في الباحة، وأشار إلى تميّز بن المنطقة في كتابه «في سراة غامد وزهران» (ص ٦٦)، فقال: (البن الذي يزرع في جبل شدا في تهامة، وقمم هذا الجبل مشرفة على أعالي السراة، وهذا النوع من البن من أجود أنواع البن، وكان الملك عبد العزيز آل سعود — رحمه الله — يختار له هذا النوع، وكانت أنواع البن الجيدة تأتي إلى نجد من جبال السراة؛ سراة الحجاز وسراة […]، وتدعى في نجد القهوة البرية كأنها منسوبة إلى البر).

وتكشف هذه الشهادة عن شهرة البن الشدوي وجودته، وعن التقدير الذي حظي به لدى الملك المؤسس، رحمه الله؛ ومن هذه المكانة يمكن وصفه بـ«البن الملكي»، واستحضار تاريخ منتج محلي تجاوزت شهرته موطن زراعته.

وتعزز هذا التاريخ شواهد وثائقية؛ فقد أشار الباحث فهد الطليسي إلى رسالة من الملك عبدالعزيز إلى الشيخ سعيد بن كدسة الغامدي، يطلب فيها إرسال كيسين من القهوة عام ١٣٤٩هـ، وإلى وثيقة أخرى غير مؤرخة تتعلق بخرص زكاة البن في قرى بشدا الأعلى والأسفل. وهي شواهد تفتح بابًا لدراسة زراعته وتجارته ومكانته الاقتصادية والاجتماعية، وتستدعي جمع أصولها وتحقيق نصوصها وربطها بسياقها التاريخي.

ومن الجميل أن يتجدد التعريف بهذا الإرث؛ كما فعل المكتب الاستراتيجي لتطوير منطقة الباحة حين قدّم البن الشدوي بوصفه «ذائقةَ ملك، وإرثَ وطن». فمثل هذا المحتوى يمنح التعريف بالمنطقة عمقًا يتجاوز جمال المنظر إلى تاريخ الإنسان وعلاقته بأرضه.

والقهوة الشدوية مفردة من محتوى ثقافي واسع تزخر به الباحة؛ في قراها وأسواقها وطرقها التاريخية، وعمارتها وشعرها وعاداتها ومعارف أهلها. ويحظى هذا الثراء بالعناية التي توليها القيادة للتراث والثقافة، في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وسمو ولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان، حفظهما الله، وباهتمام سمو أمير منطقة الباحة الأمير الدكتور حسام بن سعود بن عبدالعزيز، وسمو نائبه الأمير فهد بن سعد بن عبدالله بن تركي، بإبراز مقومات المنطقة وتنمية مواردها. ومن مظاهر ذلك تقديم البن الشدوي ضمن المشاركات التعريفية بتراث الباحة، وجهود جمعية البن في المحافظة على زراعته.

ويستحق أبناء الباحة المهتمون بتاريخها وتراثها التقدير على حفظ الوثائق وجمع الروايات وتوثيق مفردات الحياة الاجتماعية بمختلف فروعها. وتتعاظم ثمرة جهودهم حين تتكامل مع الجامعات والجهات الثقافية؛ لتصبح معرفةً محققةً ومتاحةً للأجيال والباحثين، وتسهم في إثراء المحتوى الوطني.

إن العناية بالبن الشدوي تجمع بين صون التراث وتنمية المورد؛ بدعم مزارعيه، واستمرار زراعته، وتوثيق تاريخه، والتعريف بجودته. وحين يُقدَّم فنجان من قهوة شدا، فإن وراء مذاقه أرضًا سخية، وخبرةً متوارثة، وتاريخًا يستحق أن يُوثَّق، وإرثًا يستحق أن يبقى حيًّا في حياة الأجيال.

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى