(لا تعاتب من تركك)

✍️ سمسمه السعيد :
في قاموس الحياة هناك قرارات لا تحتاج إلى كثير من التبرير لأنها تُقرأ من نتائجها فالرحيل في حد ذاته رسالة والابتعاد موقف والصمت في بعض المواقف أكثر بلاغة من آلاف الكلمات فالإنسان لا يُقاس بما يقوله عند الرحيل بل بما يفعله قبل أن يرحل
ليس كل غياب يستحق السؤال وليس كل رحيل يستوجب الانتظار فهناك من يغادر لأنه اختار طريقًا آخر وهناك من يبتعد لأنه لم يدرك قيمة المكانة التي كان يحتلها في قلوب الآخرين وفي كلتا الحالتين يبقى القرار قرارهم ويبقى احترام الإنسان لنفسه وكرامته هو الخيار الأول والأخير
لا تعاتب من تركك لأن من اختار الرحيل كانت أمامه فرصة للبقاء لكنه اختار الابتعاد ومن قرر المغادرة كان يدرك حجم الفراغ الذي سيتركه خلفه فالعتاب لا يعيد قلبًا فقد رغبته ولا يصنع وفاءً في نفس لم تعد تحمل معانيه
لطالما ربط البعض قوة العلاقات بكثرة العتاب وكأن الكلمات قادرة على إعادة من اختار الغياب لكن الحقيقة أن العلاقات لا تُحفظ بكثرة المطالبات بل بصدق النوايا وثبات المواقف فالذي يريد وجودك في حياته لن يجعلك تخوض معركة لإثبات قيمتك والذي يقدرك لن يدفعك إلى الوقوف طويلًا أمام أبواب الاهتمام
في زمن تتسارع فيه المصالح وتتغير فيه المواقف تظهر قوة الإنسان الحقيقية في قدرته على تجاوز الخذلان دون أن يفقد إنسانيته وفي حفاظه على صفاء قلبه دون أن يسمح لتجارب الرحيل بأن تحوله إلى شخص قاسٍ أو فاقد للثقة
إن أكبر خطأ قد يرتكبه الإنسان هو أن يسمح لمن رحل عنه بأن يواصل السيطرة على حياته بعد الغياب وأن يجعل سؤال لماذا تركني أهم من سؤال كيف سأبني نفسي بعد هذا الرحيل فالحياة لا تنتظر أحدًا والأيام لا تعود إلى الوراء والفرص لا ترتبط بشخص واحد
قد يكون رحيل البعض مؤلمًا لكنه يكشف حقائق لم تكن واضحة وقد يكون الغياب بداية لمرحلة أكثر نضجًا ووعيًا وربما كانت المسافة التي حدثت بينك وبين شخص ما هي الفرصة التي احتجتها لتكتشف نفسك وتعيد ترتيب أولوياتك
لا تطارد من اختار الابتعاد ولا تستنزف قلبك في محاولة إقناع شخص بقيمتك فالأشياء الثمينة لا تحتاج إلى من يثبت قيمتها والنور لا يحتاج إلى من يشرح حضوره ومن يعرف مكانتك حقًا لن يضعك يومًا في موقف تبحث فيه عن دليل على أهميتك
دع من رحل يتحمل اختياره ودع الأيام تكشف لكل إنسان نتائج قراراته فالبعض لا يعرف قيمة الأشياء إلا بعد فقدانها لكن النضج الحقيقي هو أن تصل إلى مرحلة لا تنتظر فيها اعتراف الآخرين بقيمتك لأنك أصبحت تدركها بنفسك
لا تعاتب من تركك فالصمت أمام الرحيل أحيانًا أكثر قوة من ألف رسالة والابتعاد بهدوء أكثر كرامة من التمسك بمن اختار الانفصال
امضِ إلى الأمام فالحياة لا تُكتب فقط بأسماء من غادروا بل بأسماء من بقوا وبمن صنعوا من الألم قوة ومن التجارب حكمة ومن النهايات بدايات جديدة
فليس الانتصار الحقيقي أن يعود من تركك بل أن تصل بعد رحيله إلى مرحلة تصبح فيها أكثر قوة واتزانًا وإيمانًا بأن المكانة الحقيقية لا يمنحها أحد ولا ينتزعها أحد وأن من يستحق مكانه في حياتك هو من يعرف قيمة وجوده فيها
للتواصل : [email protected]



