كتاب الرأي

السعودية في بيئة إقليمية متغيرة – معركة وادي الملوك (ما أشبه الليلة بالبارحة)

✍️د. سعيد بن عبدالله آل جفشر- كاتب رأي :

قرأت باهتمام وإعجاب مقال الدكتور عبدالهادي بن نايف السلمي «السعودية في بيئة إقليمية متغيرة»، وهو قراءة استراتيجية عميقة للمشهد الراهن، أحسن فيها الربط بين تعدد مصادر التهديد في اليمن والعراق والبحر الأحمر، وتحولات المواقف الإقليمية والدولية، وتباين حسابات بعض الشركاء في الساحات المحيطة بالمملكة، مع التمييز الواعي بين الوقائع الثابتة والفرضيات التي تستحق التأمل.

وقد لفت المقال ببصيرة إلى أن ما تواجهه المملكة لا يُقرأ من جبهة واحدة، بل ضمن مشهد تتقاطع فيه المصالح الإيرانية والإسرائيلية وغيرها، وتتداخل فيه أدوات الضغط السياسية والعسكرية والاقتصادية، في مقابل ثبات الموقف السعودي من القضية الفلسطينية واستقلال قراره الوطني. كما أحسن الدكتور عبدالهادي في إبراز انتقال المملكة من رد الفعل إلى صناعة الردع وبناء التحالفات المرنة، وفي مقدمتها «حلف مكة»، مع إبقاء أبواب السياسة والحوار مفتوحة.

وهذه القراءة الثرية دفعتني إلى استقراء التاريخ؛ فالتاريخ لا يكرر أحداثه بحذافيرها، لكنه يكشف سننًا تتشابه، وصورًا تتكرر فيها الأطماع والاستقواء بالخارج، وفي مقابلها الصمود ووحدة الداخل.

ومن هنا قادني مقال الدكتور عبدالهادي إلى استحضار معركة وادي الملوك، التي وقعت قرب القصر الكبير بالمغرب في 4 أغسطس 1578م؛ حين استعان السلطان المخلوع محمد المتوكل بالملك البرتغالي سبستيان لاستعادة الحكم، مدعومًا بقوات أوروبية متعددة (برتغاليين، وألمان، وفلمنكيين، وإيطاليين، وقشتاليين، مع دعم بابوي)، في مواجهة السلطان عبدالملك السعدي وأخيه أحمد المنصور (المدعومين من حلفائهم العثمانيين في الجزائر).

وانتهت المعركة بانتصار المغرب ومقتل الملوك الثلاثة، ثم تولى أحمد المنصور الحكم، بينما قادت الهزيمة إلى سقوط المملكة البرتغالية وضمها إلى التاج الملكي الإسباني عام 1580م.

وتكمن العبرة في أن المتوكل استقوى بالخارج لتحقيق غاية سياسية على حساب وطنه. ومن هذه الزاوية يبرز وجه شبه مع الحوثيين في اليمن؛ فمشروعهم السياسي والأيديولوجي يستند إلى إرث الإمامة ومفهوم خاص بأحقية الحكم، واقترن بارتباط سياسي وعسكري بإيران، بما جعل الصراع الداخلي جزءًا من مشروع إقليمي أوسع. ويظهر المعنى نفسه، بصور ودرجات مختلفة، في جماعات مسلحة بالعراق ولبنان مرتبطة بالمشروع الإيراني في المنطقة.

واللافت أن هذه الكيانات الدخيلة على منطق الدولة الوطنية، والمنفصلة عن مصالح شعوبها وأوطانها، تعلن أن معركتها مع إسرائيل، بينما تتجه أسلحتها إلى المملكة العربية السعودية، مستهدفة أمنها ومقدراتها ومصالحها، في ظل ارتباطها بإيران وحلفائها؛ من أعلن تحالفه معها ومن أبطنه.

وفي مثل هذه البيئة المضطربة، تجد قوى إقليمية في الانقسامات الداخلية مجالًا لتوسيع نفوذها وتحقيق مصالحها، وقد تتجاوز بعض الصراعات أهدافها المعلنة إلى حسابات أوسع؛ وهو ما يجعل المملكة، بثقلها الديني والسياسي والاقتصادي ومكانتها العربية والإسلامية، في قلب كثير من معادلات المنطقة.

وهنا تتجلى صلابة الجبهة الداخلية السعودية؛ فالمملكة قامت على تلاحم قيادةٍ وشعب، ووحدة صف، وولاءٍ صادق للوطن والأمة. ولم تكن هذه الوحدة يومًا استجابةً عابرة لأزمة، بل كانت ولا تزال حصن الدولة، وسند سيادتها، ومصدر ثباتها وقوتها في مواجهة كل تحدٍّ.

لقد خاضت المملكة بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز مرحلة مهمة في جمع المواقف ومواجهة الأخطار المشتركة، وكان من أبرز صور ذلك التحالف العربي وعملية «عاصفة الحزم» عام 2015 دعمًا للحكومة اليمنية الشرعية في مواجهة الحوثيين.

ثم واصلت المملكة نهجها في بناء التعاون والردع الجماعي، وكان «حلف مكة» بين المملكة وتركيا وباكستان محطة بارزة في هذا المسار، إذ قام على تعزيز الأمن المشترك والردع الجماعي والتعاون الدفاعي بين دوله.

ومن خلال قراءة الأحداث واستقراء مسارها، فإنني على يقين بأن توسيع هذا الحلف وتعميق أثره يمثل مسارًا استراتيجيًا لسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان؛ توسعًا محسوبًا يقوم على ضم القوى الشقيقة المؤثرة والقادرة على الإسهام الحقيقي في أمن المنطقة، بحيث يُقدَّم الكيف على الكم، والفاعلية على مجرد اتساع العضوية.

ومن هنا لا تبدو قوة المملكة في حجم ما تملكه من أدوات القوة فحسب، بل في منظومة متكاملة تجمع شعبًا متماسكًا، وقيادةً تدرك حجم المسؤولية، ودولةً راسخة، وقوةً سياسية واقتصادية ودفاعية، وشبكة من العلاقات والشراكات والتحالفات السياسية والاقتصادية والعسكرية.

وهذه حقيقة يثبتها التاريخ مرة بعد أخرى: أن كثرة الخصوم لا تُسقط الدول الراسخة، بل يُهزم خصومها أمام قوة جبهتها الداخلية وصلابة حضورها الخارجي. وحين تتماسك الدولة قيادةً وشعبًا، وتصون سيادتها وقرارها، تتحول الضغوط والأخطار من مصدر يُخشى منه إلى باعثٍ لمزيد من الوعي والقوة والصلابة، وتسقط رهانات الخصوم أمام وطنٍ يعرف كيف يحمي نفسه ومصالحه ومكتسباته.

ولهذا فإن الرهان الحقيقي في السعودية لم يكن يومًا على ظرف عابر، بل على دولة تعرف من تكون، وشعب يعرف إلى أي وطن ينتمي، وقيادة تدرك أن حماية المقدسات والسيادة والمكتسبات مسؤولية تاريخية. وعند هذه المعادلة تزداد قوة الصمود، وتسقط كثير من رهانات الخارج قبل أن تبلغ غاياتها.

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى