كتاب الرأي

الصناعة السعودية .. حين تتحول الرؤية إلى مستقبل

  ✍️ وهيب شاهين – كاتب سعودي : 

تعيش المملكة العربية السعودية اليوم مرحلة مختلفة في مسيرتها التنموية؛ مرحلة لم تعد فيها الصناعة مجرد مصانع وخطوط إنتاج، بل أصبحت جزءًا من هوية اقتصادية جديدة، ورؤية وطنية تراهن على الإنسان قبل الآلة، وعلى المعرفة قبل الأرقام، وعلى المستقبل قبل الاكتفاء بما تحقق.

ومنذ انطلاق رؤية السعودية 2030، بدأت الصناعة تأخذ مكانها الطبيعي بوصفها أحد أهم محركات الاقتصاد الوطني، وأحد المسارات القادرة على خلق فرص العمل، وتنويع مصادر الدخل، ورفع نسبة المحتوى المحلي، وتعزيز حضور المنتج السعودي في الأسواق الإقليمية والعالمية.

واللافت في هذا التحول أن الصناعة لم تعد شأنًا اقتصاديًا فقط، بل أصبحت قضية اجتماعية أيضًا؛ لأنها ترتبط بشكل مباشر بالشباب، والتعليم، والتدريب، وريادة الأعمال، واستقرار الأسر، وجودة الحياة. فكل مصنع جديد لا يعني زيادة في الإنتاج فحسب، بل يعني وظائف جديدة، وخبرات وطنية، ونقلًا للمعرفة، ومساحة أوسع أمام أبناء وبنات الوطن للمشاركة في البناء.

اليوم نرى جيلًا سعوديًا مختلفًا، أكثر حضورًا في الهندسة والتقنية والتصميم والإدارة والتشغيل والصيانة والبحث والابتكار، وهذا في حد ذاته أحد أهم مكاسب الرؤية. فالوطن الذي يصنع أبناءه قادر على أن يصنع منتجاته، والوطن الذي يستثمر في العقول قادر على أن ينافس في أكبر الأسواق.

كما أن المدن الصناعية الكبرى، وفي مقدمتها الجبيل وينبع، تقدم نموذجًا حيًا على حجم التحول الذي تعيشه المملكة، حيث تتكامل الصناعة مع التخطيط الحضري والخدمات والبنية التحتية والتعليم والتدريب، لتصبح الصناعة بيئة حياة متكاملة، لا مجرد منشآت إنتاجية.

والأجمل أن ثقافة المجتمع نفسها بدأت تتغير تجاه المنتج الوطني. فعبارة «صنع في السعودية» لم تعد مجرد كتابة توضع على العبوة، بل أصبحت مصدر اعتزاز، ورسالة ثقة، ودليلًا على قدرة الوطن على الإنتاج والمنافسة والابتكار.

إن طموح المملكة في الصناعة لا يتوقف عند تلبية الاحتياج المحلي، بل يتجاوز ذلك إلى التصدير، وجذب الاستثمارات، وتوطين التقنيات، والدخول في الصناعات النوعية والمتقدمة، وهو ما يجعل المرحلة القادمة أكثر أهمية، وأكثر حاجة إلى تأهيل الكفاءات الوطنية ودعم المبدعين ورواد الأعمال.

ومن هنا، فإن مسؤولية دعم الصناعة لا تقع على جهة واحدة فقط، بل هي مسؤولية مشتركة بين الأسرة، والمدرسة، والجامعة، والقطاع الخاص، والإعلام، وكل فرد في المجتمع. فحين نزرع في أبنائنا ثقافة العمل والإنتاج، ونشجعهم على التخصصات التقنية والمهنية، ونثق بالمنتج الوطني، فإننا نشارك فعليًا في صناعة المستقبل.

رؤية السعودية 2030 لم تجعل الصناعة هدفًا اقتصاديًا فحسب، بل جعلتها وسيلة لبناء مجتمع أكثر إنتاجًا، واقتصاد أكثر قوة، ووطن أكثر قدرة على المنافسة.

وما نراه اليوم ليس نهاية الطريق، بل بداية مرحلة جديدة، عنوانها أن المملكة لا تكتفي بأن تستهلك المستقبل، بل تعمل على صناعته. 

للتواصل : [email protected]

شريفة راشد القطيطي

مديرة القسم الثقافي بصحيفة عنوان الاخبارية و ممثلة ولاية الخابورة في لجنة الكتاب والادباء العمانية وعضوة في لجنة الكتاب والأدباء

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى