كتاب الرأي

إطلالة الستين على هامش الأربعين.!! قراءة نقدية في قصيدة ( على هامش الاربعين ) للشاعر حسين الصميلي

    ✍️عبدالحميد عطيف – كاتب سعودي :

ككل شيء تألفه في رحلتك العمرية ؛ جاء العنوان (على هامش الأربعين) مألوفًا، وادعًا، أنيقًا، وبسيطًا خاليًا من التكلف؛ فلا تشعر أنك أمام نص شعري فحسب، بل أمام عنوان رواية، أو كتابٍ من كتب الأدب والذكريات والسير. عنوانٌ لا يجعلك تتوقف عنده كثيرًا لسرعة نفاذه إلى الذاكرة والوجدان، وكلوحة مرورٍ إجبارية الاتجاه يحيلك إلى نصٍّ بدا جدولًا رقراقًا شفافًا نقيًا، تتدفق فيه الألفاظ والمعاني تدفقًا إبداعيًا يفيض بلاغة وإبانة.
تتأكد من خلال النص وحدة القصيدة من حيث الرؤية والصور والتراكيب والتصاعد الدرامي، ومن حيث الغايات والمقاصد والرسالة، مما جعل منها دُرّة ماسيّة لا يمكن تجزئتها؛ فمن أي جانب نظرت إليها تشعرك بالجودة والجمال والإتقان.
نصٌّ يمنحك ذاك الشعور المفعم بالسكينة، ويثير في خاطرك تلك الأسئلة التي لطالما كانت بلا نهايات ولا إجابات شافية؛ أسئلة عطشى تتوالد ذاتيًا في منطقة الحيرة وعلى أفق المجهول وخط انعدام اليقين. وحين تبلغ نهاية الطريق مع النص، لا تدري ما إذا كنت قد غُصت في أعماقه أم غاص هو في أعماقك، ولا تدري ما إذا كنت تقرؤه أم هو من يقرؤك؛ إذ يدفعك جاهداً لاكتشاف الذات، ولأن تتحلى بالشجاعة لخوض صراعاتها وقلقها وهي تتربع على هامش الأربعين وما بعدها.
تقول الكاتبة الأمريكية إيدا لوشان: “في مرحلة الأربعين يعرف الإنسان عن نفسه وعما يريده في الحياة أكثر مما عرفه طوال حياته، وفي أشد لحظات الإحساس بالحزن والهزيمة يدرك أن ما يمر به ليس إلا مزيدًا من الوعي واكتشاف معنى أن تكون إنسانًا، وتلك هي روعة أزمة منتصف العمر”. وفي ذات السياق، يرى علماء النفس أن أزمة منتصف العمر ترتبط بتقييم متناقض للإنجازات السابقة والإخفاقات، والصراع من أجل أهداف شخصية جديدة، وتتميز بالاستبطان، وتقدير الذات، والوعي بمرور الوقت، والاعتبارات المتعلقة بضياع العمر أو تفويت الفرص.
لقد اختصرت القصيدة صفحاتٍ من علم نفس النمو في نصف ورقة، وكأي حقيقة مدهشة، فرضت نفسها تاركة الباب مفتوحًا على مصراعيه للدخول في عالمها ودروبها؛ حيث تتساوى هوامش الماضي، وتتراءى للذهن صور تلك الفراغات البيضاء على حواف الكتب والمخطوطات… فراغاتٌ مذعنة مملوءة بالتعليقات والاستدراكات والإيضاحات والتفسيرات، وأحيانًا بلا شيء من ذلك، فنملؤها بلا وعي برسوم وشخاميط وأزاهير وعيون دامعة وقلوب دامية تخترقها السهام.
وحين ترنو إلى المستقبل، يبدو لك هامشه فراغًا يحيط بالفراغ، فلا تدري بماذا يمكن أن تملأ كلا الفراغين؛ فالبعد المستقبلي لهامش الأربعين يجعل اللحظة الآنية نقطة تأمل حذرة في منتصف الطريق، يضعنا إزاءها الشاعر ويشركنا معه في حقائقها حين يقول:
تَراوِدُنا رَغبَةٌ في الضُّلوُعِ
تُحَدِّقُ مِنْ أُفقِهَا الضَّيِّقِ
تَحُومُ صَوبَ مَغانٍ تَضوُعُ
لِتَقْطِفَ مِنْ وَرْدِها المعبق

فمن خلال اللفظ (تراودنا)، يتجاوز الشاعر عتبة الذات الشخصية إلى الذات العامة، ويفتح آفاق النص الداخلية على العالم الخارجي؛ حيث تكون تلك الرغبات الدفينة، والأمنيات المكبوتة، وبواكير الحلم والعشق الموءود في الصدور حقيقة إنسانية وحالة وجدانية يتشاركها الجميع. كما أن انبعاثها المتجدد وتداعياتها الجدلية في الذات في مرحلة الأربعين حقيقة أخرى تشكل ما يُوصف بـ “أزمة منتصف العمر”، والمشترك فيها هو عودة الصراع والتساؤلات عما إذا كانت هناك فرصة فيما تبقى من العمر لإطلاق سراح تلك الرغبات الحبيسة ومنحها حرية الظهور في عالم الشهادة والواقع.

فَفي الوَقْتِ ما يَسْتَحِقُّ الشُّروُعَ
فَما ضاعَ أَكْثَرُ مِمّا بَقِي

هكذا تكلم الشاعر يستحث الروح على الحركة والإقدام ، فلا زال ثمة وقت على الرغم من ضياع أكثره .
فالاستئناف هنا يمنحها بداية جديدة، وقد جاء متتاليًا إمعانًا في التأكيد، وكنتيجة لقوة الجدل المحتدم في الذات بين الممكن وغير الممكن. ويتجلى هذا الجدل حين يقول الشاعر:

فَيَصْرُخُ مِنْ عُمْقِنا ناصِحٌ
تَشيّخ في الرُّوحِ مِمّا لَقِي

حيث يطل علينا الماضي بخبراته وتجاربه وقيوده ومعتقداته، يتخفى بين ثناياها شبح العقل “السجّان” كشيخ يتحدث بلسان الحكمة قائلاً:

كبرنا على لحظة من هيام
تعلقنا في جوي مطبق
على موعد للغرام تدانى
فيلهو بنا الظن هل نلتقي
على كل ما يستفز الجمال
بأرواحنا علها ترقي
وعن دهشة لم تعد طائرا
يرفرف في عمرها المرهق

تأكيدات متتالية نلمس معها تكرار كلمة (كبرنا) في أذهاننا مع كل بيت دون أن يكون لها وجود مكتوب، في عرضٍ جميلٍ ومنتظم يكشف عن قلق الذات الأربعينية، يدفع برغباتها نحو الخضوع والرضى بالقيود والموجود، فيكون جوابها اللاواعي—مع غصة حزن وألم—: نعم!
كَبُرْنا وَما زالَتِ الأُمْنِياتُ
تَتوُقُ لأُنْسِ المَدى المُنْتَقي
يُغَلِّفُنا وَجَعٌ لا يَجِفُّ
تَجَذَّرَ فينا إِلى المَفْرِقِ

هكذا قرر العقل السجّان؛ ومع ذلك، كان هذا الإقرار يخفي جدلية حدثت مبكرًا في الوجدان تمثلت في تلك التساؤلات المكبوتة؛ فكل قرارٍ قيل يتضمن صيغة استفهام تأتي تداعيًا ذهنيًا يكاد القارئ أن يراها رأي العين. فحين يكون القرار (كبرنا على لحظة من هيام)، فذلك ليس إلا من قبيل التفكير بصوت مسموع رداً على تفكير صامت يتساءل:
أَكَبُرنا فعلاً؟ عن لحظة من هيام؟
وعلى موعد للغرام؟
وعلى كل ما يستفز الجمال؟
أحَقًّا كَبُرْنا؟
وَما عادَ شَيْءٌ يُوَشْوِشُنا لِلْهَوَى الشَّيِّقِ؟

وهكذا يتبدّى كيف تحمل الكلمات في باطنها النفي والإثبات، والسؤال والجواب، لا على نحوٍ متناقضٍ أو إلغائي، بل في حالٍ بديع من الانسجام والترابط. وحين تمكن الشاعر من المواءمة بين العقل السجّان، والروح القلقة، والوجدان التوّاق؛ وجّه الجدل نحو أرضية مشتركة وجمعهم في تساؤل يمثل الحقيقة المتفق عليها حين يقول:
وَنَدْري بِأَنّا عَلَى رَغْمِنا
كَبُرْنا عَلى خَوْفِنا المُحْدِقِ
وَما زالَ في وُسْعِنا أَنْ نُحِبَّ
الحَياةَ افْتِتانًا وَلَمْ نَسْرِقِ
وَما العَيْشُ يا سَيِّدَ الأَرْبَعينَ
إِذا أَنْتَ لَمْ تَصْبُ أَوْ تَعْشَقِ

يمضي بنا الشاعر في تنقل وجداني بين فقدان الدهشة واستعادتها، وصولاً إلى ذلك التحول الأجمل حين ينتقل النص من الحذر والتردد إلى الافتتان بالحياة. فالشاعر يعيد للحب والجمال إنسانيته الفطرية الناصعة حين يقول:
وما زال في وسعنا أن نحب
الحياة افتتانًا ولم نسرق .

فهذه العبارة تُطهّر عاطفة الإنسان من عقدة الإثم، وتمنح الروح الحق الكامل في الاحتفاء بالجمال والحب دون خوف أو خجل.
بعد ذلك، تتوحد عوالم الشاعر (العقل، الروح، الوجدان، والمادة)؛ ليفتح باب الأمل على مصراعيه أمام أجمل ما في الحياة:
وَأَجْمَلُ ما في الحَياةِ شُعوُرٌ
بِأَنَّكَ وَالبَدْرُ في خَنْدَقِ

فالبدر هنا رمزٌ وكناية عن بلوغ مرحلة
الاكتمال والنضج والسطوع الأربعيني تمامًا كاكتمال الهلال بدراً، وهي مرحلة تليها بدايات الاضمحلال والتلاشي بعد حين.
ختاما :
ثمة نصوص تشعر حين تقرؤها أنك لا تطالع كلاماً لشاعر آخر، بل تستمع إلى همسك الداخلي ، ونص «على هامش الأربعين» واحد من تلك النصوص الشفيفة التي تتسرب بنعومة إلى وجدانك لتقلب فيه أوراق السنين.
وأول ما يداعب ذائقتك في النص هو ذاك النغم العذب الذي يتدفق بخفة، يغريك بالتحليق في عالمه والانعتاق من قيود اللحظة المادية، لكنه يصطدم في نهاية كل شطر بقافية مقيدة مكسورة القاف (الضيّقِ، المعبقِ، المرهقِ، المفرقِ، خندقِ). هذا الاصطدام الصوتي اللذيذ ليس مجرد خيار عروضي، بل هو أثر شعوري ساحر لروح مفعمة بالشغف والحياة تتوق للمدى، لكنها ترتطم بعتبة الحذر والوقار.
لم يكن الشاعر مبدعًا في العرض البلاغي شكلاً ومضمونًا فحسب، بل كانت هواجسه الداخلية اللاواعية تتسم بالسمو والجودة، مما تولد عنه هذا النص الرائع الجدير بالخلود.

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى