غابة الذئاب .. الأرملة السوداء الفصل السابع عشر

✍️ سمير الشحيمي – كاتب عماني
المدينة الغائمة
تحت وطأة الضباب الكثيف الذي يبتلع معالم المدينة الغائمة، خطت ليليان بخطوات واثقة وهادئة لتقف إلى جوار البارون بالقرب من واجهة زجاجية ضخمة فوق حافة جرف صخري. كانت تمسك بجهاز لوحي مشفر يضيء وجهها بنور خافت، وعيناها تلمعان بذكاء.
عدلت ليليان نظارتها الطبية، وضغطت على الشاشة لتستعرض مسارات الشاحنات الثلاث المقتربة، ثم تحدثت بنبرة هادئة ومنخفضة كفحيح الرياح فقالت: “البارون.. الشاحنات تجاوزت الممر الجبلي الأخير بنجاح، رجال صقر قاموا بمهمتهم، وأيضاً عصابة القط الأسود”.
لم يحرك البارون عيناً عن الأفق الضبابي، بل أخذ رشفة أخرى من قهوته، وقال ببرود: “فريد أدى دوره بنجاح، وهذا كل ما يهمني. المهم الآن هو الشحنة.. هل المستودعات جاهزة لتفريغ الأجهزة الطبية والإلكترونية فوراً؟”.
أومأت ليليان برأسها، وبدأت أصابعها تتحرك بسرعة على الجهاز اللوحي لفتح البوابات الهيدروليكية للمستودعات المحفورة في صخر الجبل فقالت: “كل شيء مؤمن، والرجال في مواضعهم لتفريغ الحاويات خلال عشرين دقيقة فقط”.
البارون: “هذه القلعة بنيتها على هذا التل الصخري لتكون لي كالحصن المنيع، ومخبأ سري يصعب الوصول إليه”.
عدلت ليليان نظارتها وهي تنظر إلى اللوح الإلكتروني قائلة باهتمام: “لكن هناك أمر آخر يا سيدي..”.
صمتت ليليان للحظة، وحاجباها ينعقدان بقلق وهي تراقب إشارة حمراء تومض على حافة شاشتها، ثم تابعت: “أجهزة الاستشعار الأرضية التي زرعناها عند مدخل الوادي رصدت ذبذبات غير عادية.. هناك سيارات تتحرك بسرعة كبيرة وبلا مصابيح خلف الشاحنات، يبدو أن أثرنا قد جُمع بسرعة”.
التفت البارون إليها أخيراً، وارتسمت على وجهه ابتسامة ساخرة تحمل الكثير من التحدي، ثم قال وهو يرمي كوبه الفارغ: “المسامر.. يعتقد أن غضبه يمكنه اختراق ضباب مدينتي. ليليان، أغلقوا الممر الخلفي، وانشري القناصة في النقطة العالية. دعينا نستقبل ضيوفنا بما يليق”.
بينما كانت السيارات ذات الدفع الرباعي تخترق الضباب الكثيف ووعورة الطريق، تراجعت الابتسامة الساخرة عن وجه البارون وحلت مكانها نظرة ترقب حذرة، في حين كانت ليليان تضغط على جهازها اللوحي وتتحدث بنبرة متوترة لأول مرة: “سيدي.. السيارات التي تلاحق الشاحنات ليست مجرد تعقيب عشوائي، لا أعرف أي خدعة يقوم بها المسامر، وهم يتقدمون كالجحيم رغم الضباب والكمين!”.
في الأسفل، كان الهجوم تكتيكياً عنيفاً؛ لم تكن السيارات تتحرك بعشوائية، بل كانت تنفذ مناورة إحاطة سريعة لخرق دفاعات رجال البارون وتأمين الشحنة، لكن هذه المناورة لم تكن إلا البداية.. فالمسامر كان يخبئ الجحيم الحقيقي في جعبته.
وبينما كان البارون وليليان يركزان بصرهما على الشاشات لمتابعة مناورة الإحاطة في أسفل الوادي، انفجرت السيارات الأمامية فجأة دفعة واحدة محولةً أسفل الجبل إلى كتلة من اللهب والدخان الكثيف. لقد كانت سيارات مفخخة ومسيرة عن بُعد، استخدمها المسامر كمشتت بصري وصوتي صاخب ليركز البارون كل دفاعاته في جهة واحدة.
في تلك اللحظة بالذات، استغلت فرقة النخبة من “الذئب الأسود” الضباب الكثيف لتسلق الجروف الصخرية الخلفية للحصن بصمت مطبق. وفجأة، ومضت شاشة الجهاز اللوحي في يد ليليان باللون الأحمر ثم انطفأت تماماً، وتحول الحصن إلى ظلام دامس إثر نبضة كهرومغناطيسية (EMP) قطعت الاتصالات وعطلت البوابات الإلكترونية، لتظهر رسمة خاطفة على شاشة الطوارئ: قط أسود يلعق يده.
انقطع صوت اللاسلكي من خطوط الدفاع الخلفية، ليعود بعد ثوانٍ.. لكن ليس بصوت حراس البارون، بل بصوت فريد!
كان فريد قد عقد اتفاقاً سرياً خلف الكواليس مع المسامر، وخدع البارون والأرملة السوداء في آن واحد؛ حيث سهل لرجال الذئب الأسود الالتفاف والتشويش على أجهزتهم.
رفعت ليليان رأسها برعب وهي تنظر إلى الشاشات الميتة: “سيدي.. فقدنا السيطرة تماماً، وبواباتنا الخلفية فُتحت من الداخل.. إنه فريد، لقد خاننا!”.
قبل أن يستوعب البارون الكلمة، دوى صوت انفجار ضخم عند مدخل قاعة العمليات، وانقشع غبار الضباب والدخان لتظهر القامة الفارعة لـ “المسامر” بملامحه الحادة المتشحة بالبرود، ممسكاً بسلاحه ويقول بنبرة هادئة مرعبة هزت أركان المكان: “البارون.. التقينا مرة أخرى، ولكن بالطريقة التي أريدها أنا”.
كان البارون محاصراً، والمسامر يقف أمامه مباشرة مستعداً لإنهاء كل شيء، ولكن، بدلاً من الذعر الذي توقعته ليليان، وبدلاً من الانكسار الذي انتظره المسامر، تراجع التوتر فجأة عن وجه البارون.
أطلق البارون ضحكة خافتة، جافة، رنت في أرجاء القاعة المظلمة رغم صدى الانفجار. التفت ببطء شديد نحو المسامر، واضعاً يديه في جيبي معطفه بثقة مريبة، ونظر إلى فوهة السلاح الموجهة نحوه دون أن يرمش قائلاً بنبرة ساخرة: “يا مسامر، هل اعتقدت حقاً أنني أقع بسهولة؟”.
بينما كان المسامر يتقدم خطوة إلى الأمام ببروده المعتاد، ضغط البارون بكعب حذائه بقوة على زر ميكانيكي مخفي بدقة تحت السجادة الفاخرة. لم تكن هذه القلعة تعتمد على التكنولوجيا الرقمية التي اخترقها فريد؛ فالبارون كان يحتفظ بـ “البروتول صفر”، وهي خطة هروب سرية ميكانيكية بحتة لا تعمل بالكهرباء، ولم يشاركها حتى مع أقرب شخص له (ليليان) لضمان عدم تسريبها.
في جزء من الثانية، وقبل أن يتمكن رجال “الذئب الأسود” من سحب أقسام أسلحتهم، سقط جدار فولاذي سميك عازل للصوت والرصاص من السقف، يعمل بنظام الثقل الميكانيكي الحر، ليفصل بين المسامر والبارون تماماً ويقطع الغرفة إلى نصفين.
انفتح خلف مكتب البارون ممر مظلم وسلالم تؤدي إلى رافعة ميكانيكية ثقيلة تعمل بنظام الضغط الهيدروليكي اليدوي، وهو نفق هبوط اضطراري يخترق قلب الجبل ليخرج عند قاعدة النهر الجاف السفلي، بعيداً عن الطوق الذي فرضه رجال المسامر.
نظرت ليليان بذهول وصدمة، فأمسك البارون بذراعها بقوة وسحبها نحو الممر المظلم، بينما بدأت صمامات التدمير الذاتي الميكانيكية للحصن تطلق صريرها التنازلي (ترساً تلو الآخر).
قال البارون بصوت حازم وقاطع: “تحركي يا ليليان! أمامنا دقيقتان قبل أن يتحول هذا الحصن إلى رماد فوق رأس المسامر…”.
يتبع..
للتواصل [email protected]



