
زاوية سلسلة ” غابة الذئاب “
✍️ سمير الشحيمي – كاتب عماني :
شركة السيد وارث، وتحديداً في قاعة الاجتماعات الكبرى ذات النوافذ الزجاجية العملاقة التي تكشف خط أفق المدينة وأبراجها الشاهقة. كان الصمت ثقيلاً، والسيد وارث يراجع بعض الأوراق بوقار صامت.
فجأة، انفتح باب القاعة دون استئذان. التفت السيد وارث بهدوء وثقة ليرى خطى ثابتة وقوية تتقدم نحو الطاولة؛ إنه سام (المسامر)، وخلفه أحد الحراس ليوقفه، فأشار السيد وارث للحارس بأن يغادر.
وقف المسامر بثبات أمام الطاولة، ونبرة صوته قوية ومستنكرة:
— عمي وارث… علمتُ بالقرارات الأخيرة وتوزيع الحراسة لتأمين الجد العقيد. أود أن أفهم، لماذا تضعون حماية أبي كأولوية قصوى؟ أنا موجود هنا، وأنا قائد منظمة الذئب الأسود، وحماية أبي مسؤوليتي ولستُ بحاجة لمن ينوب عني!
نظر إليه السيد وارث بهدوء، وشبك أصابعه فوق الطاولة قريباً:
— بني… لا أحد يشكك في قوتك، لكن عودة الجد العقيد ، تفرض علينا حمايته من غدر الأرملة السوداء “سلافة”، وعلينا تأمينه بكل ما نملك.
(قَطَعَ حدة الحوار طرقات منتظمة على الباب، ثم دلفت السكرتيرة بخطى سريعة ومنظمة، تحمل جهازاً لوحياً وملفاً رسمياً).
انحنت السكرتيرة باحترام:
— معذرة على المقاطعة يا سيد وارث، لكن هناك تحديث عاجل ومهم للغاية يخص الشحنة الكبرى.
أومأ لها السيد وارث:
— تفضلي، ما هي المستجدات؟
السكرتيرة:
— لقد تلقينا تأكيداً نهائياً من الخطوط الملاحية؛ بضاعة الأجهزة الطبية والإلكترونية المعقدة التي طلبتها المستشفيات الحكومية منا، قد تجاوزت المياه الإقليمية بنجاح، وستصل إلى ميناء مدينة الأبراج في تمام الساعة الرابعة من عصر غدٍ.
السيد وارث:
— ممتاز… اذهبي وتابعي مع المخلص الجمركي.
(التفتت السكرتيرة بوقار وغادرت القاعة مغلقة الباب خلفها. التفت السيد وارث ليعود إلى حديثه مع المسامر، لكنه تفاجأ بالمسامر واجماً، وعيناه تضيقان بذكاء ثعلبي وكأنه يربط خيوطاً غير مرئية).
السيد وارث مستغرباً:
— ما بك يا مسامر؟ فيمَ تفكر؟
التفت المسامر ببطء نحو السيد وارث، ونبرة صوته أصبحت منخفضة ومحملة باليقين الحاسم:
— عمي وارث… نحن نرتكب خطأً فادحاً. جميعنا نفكر بعقلية تقليدية؛ تتوقعون هجوماً مسلّحاً على قصر الجد العقيد، أو محاولة لتفجير البنية التحتية لعائلتنا.. لكن سلافة لا تفكر هكذا.
قطب السيد وارث حاجبيه باهتمام:
— ماذا تقصد؟
تقدم المسامر خطوة وأشار بيده بحسم:
— الأرملة السوداء تعلم أن مهاجمة قصر العقيد أو الدخول في مواجهة مباشرة في مدينة الأبراج هو انتحار لرجالها. الضربات التي توجع آل السامر حقاً هي الضربات التي تأتي من الخلف وتضرب هيبتنا أمام الدولة.. الضربة القادمة هي هذه الشحنة!
اتسعت عينا السيد وارث بصدمة الاستنتاج:
— الشحنة الملاحية غداً؟ أجهزة المستشفيات الحكومية؟!
أومأ المسامر برأسه بصلابة:
— بالضبط! هذه الشحنة هي واجهتنا والنفوذ الذي يربطنا بالحكومة، إذا تم تخريبها، أو السيطرة عليها في الميناء، ستظهر منظمة الذئب الأسود وآل العراب عاجزين عن حماية عقودهم، وسيسقط غطاؤنا السياسي. الأرملة السوداء جعلتنا في حرب نفسية وظنون استباقية، وما تفعله ليس سوى حركة تمويهية لكي تشغل أعيننا هناك، بينما عينها الحقيقية على الميناء غداً عصراً!
وقف السيد وارث مذهولاً من عبقرية المسامر الاستراتيجية، وسرى في وجهه مزيج من الفخر والقلق:
— تحليلك مرعب يا مسامر.. وذكاؤك في قراءة عقل سلافة أثبت لي أنك ابن الجد العقيد الحقيقي. إذاً، الميناء هو الثغرة الحقيقية.
عدل المسامر سترته، وارتسمت على وجهه ابتسامة ثقة حادة:
— العقيد في القصر مؤمن بالكامل، والآن سأتولى أنا الجزء الأهم. سأشرف بنفسي وبقوات النخبة من منظمة الذئب الأسود على تأمين الميناء غداً قبل الرابعة عصراً، وإذا حاولت الأرملة السوداء أو مرتزقتها اللعب في أراضينا… فسيجدون أنياب الذئب في انتظارهم لتقطع أعناقهم قبل أن تطأ أقدامهم أرض الميناء!
فلمعت عيناه
يتبع….



