كتاب الرأي

الرحمة التي ضاعت في الطريق

✍️ريم منصور سلطان – كاتبة سعودية :

كان الإنسان قديمًا يخاف أن يُوصف بالقاسي، أما اليوم فقد أصبح كثيرون يخشون أن يُوصفوا بالطيبة، وكأن العالم في أعاد تعريف الفضائل والرذائل، فأصبحت الرحمة تُفسَّر ضعفًا، والتسامح سذاجة، واللطف نقصًا في الحزم، بينما إكتسبت القسوة هيبةً لم تكن لها من قبل، حتى صار بعض الناس يتباهون بها كما لو كانت دليلًا على النضج وقوة الشخصية.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا يزداد عدد القساة في المجتمع؟
هل أصبح الإنسان أكثر شرًا؟ أم أن الحياة أصبحت أكثر قدرة على تجفيف منابع الرحمة؟
ربما لا يولد أحد قاسيًا فالطفل في بداياته لا يعرف سوى التعاطف الفطري، يبكي لبكاء غيره، ويفرح لفرح من حوله، غير أن السنوات، بما تحمله من خيبات وخذلان، تبدأ تدريجيًا في بناء طبقات كثيفة حول القلب، حتى يتحول الدفاع عن النفس إلى أسلوب حياة، ويصبح التبلد العاطفي وسيلة للبقاء.
القسوة، في كثير من الأحيان، ليست غياب المشاعر، إنما دليل إرهاقها ، فالإنسان الذي إعتاد أن يُخذل قد يقرر ألا يمنح ثقته مرة أخرى، والذي إعتاد أن يُستغل قد يتعلم أن يسبق الآخرين بالرفض قبل أن يرفضوه، والذي عاش طويلًا في بيئة لا تكافئ الرحمة، يبدأ في الاعتقاد أن النجاة لا تكون إلا بأن يصبح أكثر صلابة من العالم.
وهكذا لا تموت الرحمة فجأة، لكنها تذبل ببطء، لكن المجتمع الحديث لم يكتفِ بصناعة الظروف التي تولد القسوة، هو جعل منها قيمة إجتماعية، فثقافة المنافسة المستمرة والنجاح الفردي دفعت الإنسان إلى النظر إلى الآخرين بوصفهم منافسين أكثر من كونهم شركاء في الرحلة، وحين تتحول الحياة إلى سباق دائم، يصبح التوقف لمواساة أحد نوعًا من الخسارة في نظر البعض.
لقد أصبح العلاقات مشاريع مؤقتة، حتى فقد الإنسان رفاهية الإصغاء الحقيقي، لم يعد أحد يسأل الآخر: “كيف حالك؟” ليعرف الجواب، إنما يطرح السؤال لأنه إعتاد طرحها فقط، وهكذا تآكلت التفاصيل الصغيرة التي كانت تغذي عاطفتنا، وحل محلها تواصل سريع يربط الأجهزة أكثر مما يربط القلوب.
ثم جاءت المنصات الرقمية لتضيف طبقة جديدة من القسوة.
فالإنسان الذي لا يرى دموع الآخر يسهل عليه أن يجرحه، والذي يختبئ خلف شاشة لا يشعر بثقل الكلمات التي يكتبها، ولذلك أصبح من السهل أن يتحول النقد إلى سخرية، والإختلاف إلى إهانة، والرأي إلى معركة، لقد نزعت المسافات الرقمية عن الألم وجهه الإنساني، فأصبح كثيرون يرمون كلماتهم كما تُرمى الحجارة في بئر لا يرون عمقها.
لكن هناك سببًا أكثر خفاءً، إن كثرة التعرض للألم تُضعف قدرة الإنسان على التعاطف، فالطبيب الذي يرى الموت كل يوم يحتاج إلى مسافة نفسية تحميه، ورجل الإطفاء الذي يشاهد الكوارث بإستمرار يطور آلية تمنعه من الإنهيار، المشكلة تبدأ حين تنتقل هذه الآلية إلى الحياة كلها، فيصبح الإنسان غير قادر على التأثر حتى بما يستحق التأثر.
إن كثرة الألم قد تلد قسوة لا لأنها تُلغي الرحمة،لكنه لأنها تستنزفها، وهناك أيضًا خوف عميق يسكن الإنسان المعاصر، خوف من أن يُستغل، أو يُؤخذ طيبته على أنها ضعف، ولهذا صار كثيرون يبنون شخصيات خشنة لا تشبه حقيقتهم، كما يرتدي المحارب درعًا ثقيلًا حتى في أوقات السلم، ومع مرور الوقت ينسى أنه يرتدي الدرع ويظنه جلده الحقيقي.
لكن أخطر أنواع القسوة ليست تلك التي تُمارس عمدًا، بل تلك التي تصبح عادة، حين يعتاد الإنسان أن يتجاهل معاناة الآخرين، أو يمر بجوار الألم دون أن يتوقف، فإن شيئًا ما يتغير في داخله، فالقلب كأي عضو آخر، يضمر إذا توقف عن أداء وظيفته والرحمة، مثل العضلة، تضعف إذا لم تُستخدم.
ومع ذلك، لا ينبغي أن نقع في وهم أن المجتمع كله أصبح قاسيًا، فما زالت هناك وجوه مجهولة تمارس الخير بصمت، وأيدٍ تمتد للمساعدة دون إنتظار الشكر، وقلوب تختار اللين رغم قسوة العالم، لكن هذه النماذج لا تصنع الضجيج الذي تصنعه القسوة، ولذلك تبدو أقل حضورًا مما هي عليه في الواقع.
وربما تكون المشكلة أننا أصبحنا نكافئ الصلابة أكثر مما نكافئ الرحمة، نصفق لمن ينتصر، وننسى من إحتوى ، بينما نغفل أن أعظم قوة يمكن أن يمتلكها الإنسان هي أن يبقى رحيمًا في عالم يدعوه كل يوم إلى أن يصبح قاسيًا.
إن القسوة ليست علامة نضج، إنما قد تكون أحيانًا علامة تعب، وليست دائمًا دليل قوة، ولكنها قد تكون قناعًا يخفي خوفًا قديمًا لم يلتئم، فالإنسان الذي يجرح الآخرين قد يكون، في أعماقه، شخصًا لم يجد يومًا من يضمد جراحه.
ولهذا فإن علاج القسوة لا يبدأ بإدانة القساة، إنما بإعادة بناء البيئة التي تسمح للرحمة أن تعيش، يبدأ من أسرة تعلم أبناءها أن اللطف ليس ضعفًا، ومن مدرسة تكافئ التعاون قبل التفوق، ومن مجتمع يعيد الإعتبار للكلمة الطيبة، وللإنصات، وللاعتذار، وللتسامح.
فالعالم لا يحتاج إلى مزيد من الأقوياء بقدر ما يحتاج إلى مزيد من البشر الذين لم يفقدوا قدرتهم على الشعور.
ولعل أعظم إنتصار يحققه الإنسان في هذا العصر، ليس أن يحمي نفسه من قسوة العالم، ولكن أن ينجح في عبور هذا العالم دون أن يتبدل قلبه يتصبح القسوه جزء منه. 

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى