كتاب الرأي

الجسد لا ينسى

✍️عبدالخالق الزهراني – كاتب سعودي :

نحن لا نخسر صحتنا فجأة…
بل نخسرها عادة، ثم عادة، ثم عادة أخرى، حتى يأتي يوم نُسمي فيه نتيجة سنوات الإهمال: مرضاً.

في الشباب، يظن الإنسان أن جسده لا يعرف التعب، وأن قوته كافية لتصحيح كل خطأ. يسهر متى شاء، ويأكل ما شاء، ويؤجل النوم والفحص الطبي والاهتمام بنفسه، وهو يردد بثقة: “أنا بخير.”

لكن الجسد لا يناقش صاحبه، ولا يعترض على اختياراته، بل يسجلها بصمت.
وهذا هو أكثر ما يخدعنا فيه.
فغياب الألم لا يعني دائماً وجود العافية، كما أن صمت الجسد لا يعني أنه نسي ما نفعل به كل يوم.
ولذلك، لا يبدأ كثير من الناس في الاهتمام بصحتهم إلا بعد أن يسمعوا من الطبيب جملة لم يتوقعوا أن يسمعوها: “لو بدأت مبكراً، لكان الأمر مختلفاً..”

ومن أكثر المفاهيم التي رسخها عصرنا، أن المظهر أصبح عند البعض دليلاً على الصحة.
فترى من يقضي ساعات طويلة في بناء العضلات، ويقيس نجاحه بما يراه في المرآة، بينما يغفل عن السؤال الأهم: هل ما أفعله اليوم سيحفظ صحتي بعد عشرين عاماً؟
ليست المشكلة في الرياضة، ولا في كمال الأجسام، بل في أن يتحول الجسد من أمانة نرعاها، إلى مشروع نستعرضه.
فالرياضة وُجدت لتمنح الإنسان حياة أفضل، لا لتسرق منه مستقبله بسبب الإفراط، أو تجاهل الراحة، أو السعي إلى أوزان تتجاوز قدرة الجسد.

وليس كل ما نستطيع فعله… ينبغي أن نفعله.
فالقدرة ليست دليل الحكمة.
قد تستطيع أن تحمل وزناً أكبر، أو تسهر أياماً متتالية، أو تستهلك جسدك في العمل، لكن السؤال الحقيقي ليس: “هل أستطيع؟”

بل: “ما الثمن الذي سيدفعه جسدي لاحقاً؟”

فنحن لا نعيش بجسد اليوم فقط، بل نبني كل يوم الجسد الذي سيحملنا فيما تبقى من العمر.
ولهذا، فإن أعظم استثمار لا يكون في حساب مصرفي، ولا في عقار، ولا في منصب، بل في جسد يبقى قادراً على أن يعينك على العبادة، والعمل، وخدمة والديك، والجلوس مع من تحب، دون أن يكون الألم شريكاً لكل خطوة.

إن الجسد لا يطالب بحقه فوراً، بل يؤجل المطالبة حتى نظن أن ما نفعله بلا أثر.
ثم يأتي اليوم الذي يكشف فيه الحساب كله دفعة واحدة.

لذلك، لا تجعل إعجاب الناس بمظهرك أهم من حاجتك إلى العافية، ولا تجعل قوة اليوم سبباً في ضعف الغد.
فالجسد لا ينسى…
وكل عناية تمنحه إياها اليوم، ستجدها عافية غداً.
وكل إهمال تستهين به اليوم، قد يعود إليك يومًا في صورة ألم.

فما نزرعه في أجسادنا اليوم… هو الحياة التي سنعيشها غداً

للتواصل : [email protected]

عبدالله الحايطي

مؤسس ومالك صحيفة عنوان الأخبارية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى