كتاب الرأي

مواجهة المونديال الصادمة: انتفاضة “القرار” الصارم لإنهاء زمن الدلال.. ورسم خارطة الإنقاذ العاجلة

دعوة لسمو وزير الرياضة لتفعيل أرقام المكاشفة .. وورش عمل كبرى لنسف منظومة التدوير والسمسرة وإعادة بناء اللاعب السعودي.

 ✍️حسن المقصودي- كاتب سعودي:

خرجنا من مونديال ٢٠٢٦ بجرعة مرارة مكثفة، لكن الصدمة الحقيقية ليست في النتيجة ذاتها، بل في حالة الذهول التي تلبّست الشارع الرياضي وإعلامه! والسؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم بكل شجاعة ووضوح: لماذا نطالب اللاعب السعودي في الملعب بما لا يملكه أصلاً في تكوينه؟
نحن لم نفشل في أمريكا لأننا لم نكن محظوظين، بل لأننا مارسنا الوهم الجماعي، ورفضنا تصديق المؤشرات العلمية التي كانت بين أيدينا منذ سنوات.

المكاشفة المبتورة: تصريح الوزير قبل عامين!
دعونا نعود بالذاكرة إلى عام 2024. خرج علينا سمو وزير الرياضة بتصريح تاريخي اتسم بالمكاشفة الصادمة؛ أعلن حينها علنًا أن لاعباً واحداً فقط من أصل ٣٠ لاعباً في المنتخب نجح في اجتياز اختبارات القياس البدني والفيزيولوجي!
كان ذلك الإعلان بمثابة صك إدانة علمي يثبت أن اللاعب المحلي يعيش حياة باذخة، مترفة، ورعوية، لا علاقة لها بمتطلبات كرة القدم الحديثة من انضباط، ومعدلات ركض، وجاهزية بدنية عالية.
لكن الكارثة لم تكن في التشخيص، بل في غياب التدابير الإجرائية بعده. تلاشت تلك المكاشفة، وبدلاً من نسف منظومة الدلال، وجدنا أنفسنا في الولايات المتحدة أمام مشهد يجسد المفارقة: الوزير ذاته الذي أعلن فشلهم البدني، يقف في المدرجات يصفق للاعبين يعرف هو قبل غيره أنهم غير مؤهلين تكتيكياً وبدنياً لخوض غمار منافسة شرسة بحجم كأس العالم!

العبث الإداري: مونديال العقود المؤقتة!
الأكثر فداحة وصدمة في هذه الرحلة المونديالية، هو العقلية الإدارية التي أدارت المشهد. كيف لبلد يملك طموحاً رياضياً هائلاً، أن يخوض غمار بطولة عالمية كبرى بأطقم إدارية وفنية وطبية تعمل بعقود مؤقتة **؟
كأس العالم ليست بطولة ودية صيفية، بل هي قمة الهرم الرياضي التي تتطلب استراتيجية إعداد وبناء مستدام لا تقل عن ست سنوات. الذهاب إلى المونديال بترقيع إداري وفلسفة المياومة هو اعتراف صريح بالعشوائية، وإثبات بأننا سافرنا لمجرد المشاركة، لا للمنافسة.

التدوير والسمسرة والإعلام الملون
لقد تحولت رياضتنا إلى سوق مغلق لتدوير الفشل؛ لاعبون بلا طموح، يتنقلون من نادٍ إلى آخر عبر السمسرة والوكلاء، وبمبالغ فلكية لا تعكس أي قيمة فنية داخل الملعب، بل تضمن لهم البقاء في منطقة الراحة.
هذا العبث وجد غطاءً آمناً من إعلام رياضي ملون ومنقسم. إعلام هرب من مسؤولية مواجهة اللاعبين وحمايتهم خلف عباءة التعصب للأندية (هذا هلالي وهذا نصراوي)، بدلاً من أن يمارس دور السلطة الرقابية الصارمة التي تفضح الكسل وتطالب بالحق الوطني، كما يفعل الإعلام في كوريا واليابان.

نحو ثورة التصحيح: الجيل الحالي هو ممر الاهتراء
يجب أن نملك الشجاعة ونعترف: هذا الجيل الحالي ليس إلا مخرجات مرحلة اهتراء رياضتنا، والاستمرار في الرهان عليه هو مضيعة للوقت والمال.
الحل لا يكمن في مسكنات جديدة، بل في ثورة تصحيح هيكلية تعتمد على الاستثمار في الأكاديميات الراقية المتخصصة لإعادة بناء اللاعب السعودي منذ سن السابعة على أسس علمية، غذائية، وانضباطية صارمة (على غرار الأكاديميات الأوروبية)، وخلق بيئة أندية منضبطة تربط عقود اللاعبين وملايينهم بمنظومة قياس وتقييم رقمية صارمة؛ فمن لا يركض، ومن لا ينضبط بدنياً، يُفسخ عقده فوراً.

انتفاضة القرار: دعوة لسمو وزير الرياضة
الخروج من هذا النفق المظلم لا يحتاج إلى مسكنات تكتيكية أو لجان تحقيق سرية تُدفن تقاريرها في الأدراج، بل يتطلب ثورة إجرائية فورية وعلنية.
من هنا، نوجه دعوة مباشرة ومسؤولة إلى صاحب السمو الملكي الأمير عبد العزيز بن تركي الفيصل، وزير الرياضة؛ إن الشارع الرياضي اليوم لا ينتظر تبريرات، بل يتطلع إلى انتفاضة قرار شجاعة من سموكم لمعالجة هذا الاهتراء الهيكلي فوراً.
إن الخطوة الأولى لإنقاذ ما يمكن إنقاذه تتلخص في:
استدعاء العقول الحقيقية: المسارعة في تنظيم ندوات وورش عمل رياضية كبرى على أعلى مستوى، تجمع الخبراء الدوليين، صناع القرار، والشركاء الاستراتيجيين.
صياغة التوصيات الملزمة: الخروج بحلول مرحلية عاجلة لإيقاف نزيف الدلال الحالي، وحلول مستقبلية تضمن صياغة نظام حوكمة صارم للاعب السعودي.
تفعيل لغة الأرقام والقياس: جعل اختبارات القياس البدني والفيزيولوجي شرطاً إجبارياً لتسجيل عقود اللاعبين في الأندية، فمن يفشل علمياً وبدنياً، لا مكان له في دورينا ولا في خارطة منتخباتنا.
يا سمو الوزير، إن الموهبة السعودية موجودة وبوفرة في شوارعنا ومدارسنا، لكنها تموت في بيئة أندية غير منضبطة تحكمها السمسرة وتدوير الفشل. لقد انتهى زمن المجاملات؛ إما بيئة تأهيل متخصصة وقياس صارم يعيد هيبة الشعار الوطني، أو سنظل ندفع الملايين لنحصد العار الرياضي. الكرة الآن في مرماكم، والشارع لن يقبل بأقل من انتفاضة تصحيح شاملة تقتلع الخلل من جذوره.
والسلام ؛؛؛

للتواصل؛ [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى