كتاب الرأي

ديوانية بن زيد… حاتم هذا الزمان

     ✍️ سلامة المحمدي – كاتب سعودي  :

الكرم من أعظم القيم التي عُرف بها العرب منذ آلاف السنين، حتى أصبح عنوانًا لأصالتهم ودليلًا على شهامتهم ونبل أخلاقهم. فقد كانت القبائل العربية ترى في إكرام الضيف واجبًا لا يُنتظر منه مقابل، بل قيمة متجذرة في النفوس تتوارثها الأجيال جيلاً بعد جيل. ولهذا خُلدت أسماء كثيرة عُرفت بالجود والبذل، وفي مقدمتهم حاتم الطائي الذي اقترن اسمه بالكرم حتى صار مضربًا للأمثال في كل زمان ومكان.
ويُروى عن حاتم الطائي أنه استقبل ضيفًا ذات ليلة ولم يجد ما يقدّمه له، فلم يتردد في ذبح فرسه المشهور إكرامًا لضيفه، في صورة تجسد كيف كان العربي يقدم كرامة الضيف على حاجته الشخصية. ولهذا لم يكن الكرم عند العرب مجرد عادة اجتماعية، بل كان مبدأ أخلاقيًا يعكس معدن الإنسان وأصالته.
وعلى الرغم من تغير الأزمنة وتبدل أنماط الحياة، إلا أن هذه القيمة العظيمة ما زالت حاضرة في مجتمعنا، وما زال هناك رجال يواصلون هذا الإرث الجميل بأفعالهم قبل أقوالهم، مؤمنين بأن الكرم ليس في كثرة الطعام فحسب، بل في طيب الاستقبال، وبشاشة الوجه، واحترام الضيف، وإشعاره بالمحبة والتقدير.
ومما عشته شخصيًا، وتناقلته وسائل التواصل الاجتماعي، ولا سيما في منطقة المدينة المنورة، ما اشتهر به أبناء بن زيد العلوي الحربي من كرم وحسن ضيافة من خلال «ديوانية بن زيد»، التي أصبحت مقصدًا للضيوف والزائرين من مختلف أطياف المجتمع، ومن شتى القبائل، سواء من داخل المملكة العربية السعودية أو من خارجها. حيث يستقبلون ضيوفهم بشكل شبه يومي بكل حفاوة وترحاب، في مشهد يعكس أصالة المجتمع السعودي وتمسكه بقيمه العربية والإسلامية النبيلة، حتى باتت هذه الديوانية تُوصف بأنها حاتم هذا الزمان.
ولعل الجميل في هذه الديوانية أنها لم تكن مجرد مكان للضيافة، بل أصبحت مساحة للمحبة والتآلف وتعزيز العلاقات الاجتماعية بين الناس، يجتمع فيها الكبير والصغير، ويتبادل فيها الحضور الأحاديث الودية والذكريات الجميلة، في صورة تؤكد أن الكرم الحقيقي يصنع الألفة قبل أن يقدم الطعام.
إن مثل هذه النماذج المشرفة تستحق الإشادة، لأنها تُبقي القيم الجميلة حية في زمنٍ طغت فيه الماديات والانشغالات، وتؤكد أن مجتمعنا — ولله الحمد — ما زال يزخر برجال يحملون خُلق الكرم بفطرته الأصيلة، ويجعلون من حسن الضيافة رسالة محبة وتقدير لكل قادم إليهم.
وسيظل الكرم قيمة لا يحدها زمان، ولا ترتبط بوفرة المال، بل تنبع من طيب النفس ونقاء القلب، ومن رغبة الإنسان في إدخال السرور على الآخرين، وهي القيم التي حافظت على تماسك المجتمع العربي عبر القرون، وستظل بإذن الله جزءًا من هويتنا وأصالتنا.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. الكرم وحسن الاستقبال ليسا مجرد عادات متوارثة بل هما قيم أصيلة تجذرت في نفوس أبناء المملكة العربية السعودية واستمدت مكانتها من تعاليم ديننا الحنيف وما توارثناه من مآثر الآباء والأجداد
    وستظل المجالس والديوانيات شاهدة على هذه القيم النبيلة حيث يجتمع فيها الناس على المحبة والتآلف وصلة الرحم وإكرام الضيف.
    وما أشار إليه الأستاذ سلامة المحمدي في مقاله يجسد واقعًا نعيشه ومن الأمثلة المشرّفة ديوانية أبناء زيد العلوي الحربي التي أصبحت نموذجًا يُحتذى به في كرم الضيافة وحسن الاستقبال وتعزيز أواصر الأخوة والتواصل بين أفراد المجتمع في صورة تعكس أصالة الإنسان السعودي وتمسكه بعاداته وتقاليده الحميدة.
    حفظ الله وطننا وقيادتنا وأدام على بلادنا نعمة الأمن والألفة وجزى كل من يسهم في إحياء هذه القيم الأصيلة خير الجزاء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى