كتاب الرأي

قوافل من الحزن.. قوافل من الإبداع.. ومساحات شاسعة من الصدق بنَفَسٍ شعري جميل ورائع..!

    ✍️ عبدالعزيز الصقيري _ كاتب سعودي:

فهد محمد السماري شاعر غنيٌّ عن التعريف ، لكن من واجبنا تذكُّر الرائعين والمبدعين دائمًا عندما تمر قصائدهم لتداعب أحاسيس وجداننا ، وبين يديَّ بعضٌ من أوراق صديقنا الرائع، منها المنشور والمغنَّى، وبعض القصائد المتبادلة معه، وفيها حصيلة تجارب متعددة ومتفاوتة قدَّمها الشاعر بصدقٍ من شغاف القلب ووحي الوجدان.!
قصائد جميلة وواثقة ومكتملة النص، تنهل من جماليات الحياة وحنين الشاعر وأوجاعه، بأسلوب فني متقن، مشكلةً بذلك ملامح خاصة ومستقلة عن كثير من التجارب الشعرية الأخرى لغيره من الشعراء الشباب..!
إن روائع ” فهد السماري “تقدم الوجه المشرق والمشهد المضيء للقصيدة الشعبية النبطية، منها والغنائية..!
بالرغم مما يكتنف بعض هذه القصائد من وجعٍ وحزنٍ وغربةٍ داخلية وحنين..! صاغها من تجارب حياته لتشكل بستانًا من الإبداع وحديقةً غناء من الجمال.
بين يدي عزيزي القارئ أكثر من قصيدة لشاعرنا، فإنني في حيرة من أمري.! كيف أستطيع أن أختار نماذج منها لنقف معكم على هذه التجربة الفذة والمتميزة؟ كلما أردت اختيار بيت أو بيتين صعب عليَّ ذلك لجمال الأبيات الأخرى أيضًا.! لكن لا بد من إيراد أمثلة، ففي قصيدته (اطوي الذاكرة) التي يقول مطلعها؛
حان وقت الرحيل ومالنا عن رحيلك
عادت الشمس إلى حان الغروب.. الرحيل
اجمعي النور.. يكفيني بها العمر ليلك
ولا تخافين.. بعدك ما يغير أصيل
تعبير شعري متوهج، فيه الكثير من الإيحاء والتجريد الحالم، عبر رؤية تجديدية ترحل بنا إلى آفاق رومانسية في غاية العذوبة..!
وعندما يقول:
جيتك قوافل حزن والخطوة شهور
جيتك ظلام ولا بقى ضي قمرا
جيتك جفاف ولا غدا بأرضي زهور
وأشوف بك كل المساحات خضرا .!
ينقلنا إلى مساحة رحبة من الإبداع، بواقعية أحيانًا ورومانسية أحيانًا أخرى، برقة في التعبير وأناقة في الأسلوب، وقمة في الربط بين المعاني، وقدرة هائلة على التشبيه الخالي من الصور المزيفة أو اتباع منهجية تقليدية بالية.!
قوافل من الحزن.. قوافل من الإبداع.. ومساحات شاسعة من الصدق بنَفَسٍ شعري جميل ورائع..!
وأنا لا صار لي صاحب يمس القلب ما مسه
أموت ولا يجي يوم وأشوفه حاني راسه
تعبت أجمع لك أفكاري أبحكي لو بعض همسه
ولكنك قتلت أصدق كلامي بآخر أنفاسه..!
انسجام كامل بين اللفظ والمعنى، لأن جمال المعنى يتطلب جمال اللفظ، كما يقول أحد النقاد، وتوازن مهيب عبر صور تراجيدية مؤلمة صاغها ببراعة وموهبة بلغت الذروة في موسيقاها الداخلية والخارجية.
غنى له الفنان خالد عبد الرحمن فأبدع، وبديع مسعود فأجاد، ومزعل فرحان فأوصل بصوته فلسفة الحزن بمهارة عالية وأسلوب لا يجيده إلا المبدعون ؛
يا غالية والنظر طيفك
تدرين عن حال محبوبك
أجيك وأرحل على كيفك
وأرضى بزيفك وعذر وبك
طير السعد لا غدا ضيفك
تنسين من يستر عيوبك .!
رائعة من كثيرٍ من روائعه، شدا بها الفنان سعد جمعة، فرحلت لتسامر قلوب العشاق والمحبين.
ويتساءل .؟ شاعرنا الفذ بحرقة وألم وحنين..!
السنين اللي مضت لك متعبة
وإن بقيتي صدقيني تتعبي
والسؤال..؟ اللي نسته ألا جوبه
حان وقته لو قدرتي جاوبي..!
ألا يحق .. لنا أن نسأل عن غيابك يا فهد؟! لماذا هذا الجفاء للقصيدة؟ لم نعد نقرأ لك منذ سنوات، هل هذا احتجاجًا على ما يعتري الساحة الشعبية من ظلام دامس، بعدما اختلط الحابل بالنابل، واختلفت الوجوه، ولم نعد نعرف الشاعر من المستشعر؟!
الصوت النقي يرفض التسول على أرصفة مجلات (العبث الشعبي) كما يسميها صديقنا الرائع الحميدي الحربي .. معك حق أيها المبدع، لكن غيابك طال..! ولم نعد نقبل العذر المؤلم لكل الأوفياء المخلصين.
آه يا صاحبي والحب.. شي كبير
آمر ناهي فيني بنياتها
ما وِنحبه يصير بوقت صعب يصير
وما تخافه محال يرد رغباتها

آه يا صاحبي.. ؟ هل تحب الساحة كثر ما يحبك الإبداع؟ أم أنها أصبحت ذات ملامح غريبة تنكرت لأحبائها؟!
(غريبة) .. كيف أحب إنسان طبعه ما يناسبني
غريبة كل شي كنت ما أطيقه تحملته
عنيد.. وكل ما طول عناده.. صار يجذبني
وأجيه وكل شي عنه يبعدني تجاهلته..!

أرسلت له قصيدة ذات يوم:
اشتكي لك يا فهد حب عنيد
من حبيبي.. اشتكي لك يا فهد
اشتكي لك وأعطني رأي سديد
يا فهد.. بالحب ما ينفع جلد..!
جاءتني .!!
إجابته بصدق وعفوية متناهية، وانفعالات إنسانية نبيلة، لأنه على مستوى عظيم من الإنسانية:
يا هلا باللي شكا الخل العنيد
وافي بالحب ما خان العهد
هاض قلبي وأمطرت عيني قصيد
صاب قلبي مثل ما صابك وأشد..!

وخلاصة القول:
إن تجربة فهد السماري الإبداعية ما هي إلا تجربة صادقة وعميقة ومرهفة، حتى في همومها الجمالية والإنسانية والحضارية. ولعل هذه الإضاءة .. او قل عزيزي القارئ: الرسالة .! التي قمت باستعراض بعضٍ من إبداعاته، دعوة صادقة لشاعرنا الغائب الحاضر ليقدم مزيدًا من العطاء والجمال والإبداع.!

ولكم أرق تحية.

للتواصل : [email protected]

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى