كتاب الرأي

النجاح رحلة مستمرة وليس محطة وصول

✍️د. غرمان بن عبدالله الشهري – كاتب سعودي :

ينظر كثير من الناس إلى النجاح على أنه لحظة وصول: هدف يتحقق، أو شهادة تُنال، أو الحصول على منصب، أو ثروة تُجمع، عندها يظن أولئك أنهم بلغوا نهاية الطريق، وأن صفحة السعي قد طويت، وأن رحلة الجهد قد اكتملت، وهذا التصور ـــ على شيوعه ـــ لا يعكس حقيقة النجاح بقدر ما يعكس إحدى محطاته.

فالنجاح في جوهره: رحلة نمو مستمرة، تبدأ بهدف وتسير نحو هدف آخر، وعند بلوغ قمة يتم رسم قمة أخرى، وتتجدد هذه الرحلة مع كل تجربة وخبرة ومعرفة، وهذا ما يؤكد عليه المفكر والخبير الأمريكي جون سي ماكسويل في كتابه ” ثلاثة أشياء يفعلها الناس الناجحون”، حيث يرى أن النجاح ليس حدثا يقع في لحظة معينة، بل عملية متواصلة من التعلم والتطور والعطاء، ويتم التعامل مع كل إنجاز على أنه خطوة جديدة في طريق أطول، وفرصة للانتقال إلى مستوى أرقى من النمو والإنتاج.

ولعل من أكبر الأخطاء التي يقع فيها بعض الناس أنهم يتوقفون عن التطور بعد أول نجاح يحققونه، فيتحول النجاح نفسه إلى سبب للتراجع، والأمثلة كثير على أناس بلغوا القمة ثم فقدوا مكانتهم؛ لأنهم اعتقدوا أن الوصول يغنيهم عن التعلم، وأن الإنجاز يغنيهم عن المراجعة والتجديد، بينما يظل الناجح الحقيقي تلميذا في مدرسة الحياة ومطلعا على تجارب الآخرين، ومتنقلا في حقول المعرفة مهما ارتفعت منزلته، ومهما كثرت خبراته، ولهذا فإن الفارق بين الأشخاص لا يكمن دائما في حجم المواهب التي يمتلكونها، بل في قدرتهم على النمو المستمر؛ فالموهبة قد تمنح صاحبها بداية جيدة، لكن الاستمرار في السير والمثابرة والتعلم والانضباط والعمل هو الذي يصنع الإنجازات الكبيرة ويضمن بقاءها، ولذلك فإن النجاح لا يُقاس بما وصلت إليه فحسب، بل بما أصبحت عليه أثناء رحلتك نحو ذلك الوصول، فقد يحقق اثنان الهدف نفسه، لكن أحدهما يخرج من التجربة أكثر علما وحكمة ونضجا وتأثيرا.

والنجاح الحقيقي لا يقف عند حدود الذات، بل يمتد أثره إلى الآخرين، فالناجح لا يكتفي بأن يرتقي بنفسه، بل يسعى إلى أن يكون سببا في ارتقاء من حوله، وأن يحول خبراته وتجارب حياته إلى قيمة مضافة للمجتمع المحيط به، فالعطاء ليس ثمرة النجاح فحسب، بل أحد مقوماته الأساسية.

وهذه المعاني ليست بعيدة عن التصور الإسلامي للحياة؛ فالمؤمن يعيش في حركة دائمة من التعلم والإصلاح والتزكية والعمل الصالح. ولا يعرف في بناء ذاته نقطة يقال عندها: انتهت المهمة، قال تعالى “وأعبد ربك حتى يأتيك اليقين”، ولذلك كان السلف يعدون الثبات على مستوى واحد نوعا من الخسارة، ويقولون: “من استوى يوماه فهو مغبون”؛ لأن الحياة الحقيقية هي حياة النمو والتقدم.
واعتقد أن السؤال الأهم ليس: هل وصلت؟ بل: هل ما زلت تنمو؟ لأن الوصول قد يكون مؤقتا، أما النمو فهو الذي يمنح النجاح معناه واستمراره، وقد يخسر الإنسان منصبا أو مالا أو مكانة، لكنه إذا استمر في السير واحتفظ بقدرته على التعلم والتطور فإن طريق النجاح يظل مفتوحا أمامه، فالنجاح ليس قمة نقف عليها، أو محطة نصل إليها ثم نستريح، بل طريق نسير فيه، وشخصية نبنيها، ورحلة تتجدد ما دامت الحياة مستمرة، ومن أدرك هذه الحقيقة عاش متطلعا إلى الأمام، شاكرا لما أنجز، مستعدا لما هو قادم، مؤمنا بأن أعظم نجاح يحققه هو: أن يكون اليوم أفضل مما كان عليه بالأمس، وأن يكون غدُه أفضل من يومه، فالناجحون لا يتميزون لأنهم وصلوا أسرع من غيرهم، بل لأنهم لم يتوقفوا عن السير.

للتواصل : [email protected]

شريفة راشد القطيطي

مديرة القسم الثقافي بصحيفة عنوان الاخبارية و ممثلة ولاية الخابورة في لجنة الكتاب والادباء العمانية وعضوة في لجنة الكتاب والأدباء

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى