غابة الذئاب .. الأرملة السوداء الفصل التاسع عشر

✍️ سمير الشحيمي – كاتب عماني
مدينة قمرة
أغلقت سُلافة الهاتف بقوة غاضبة كادت تهشم زجاج الطاولة أمامها. أنفاسها كانت متسارعة، وعيناها تشعان ببريق مرعب بعد سماع كلمات صقر: “العملية فشلت… والمسامر استعاد الشحنة!”.
التفتت نحو الظلام المحيط بالقاعة وصوتها يخرج كفحيح الأفعى:
“أيجيرؤ المسامر على مواجهتي؟ سأجعل مدينة الأبراج مقبرة لهم جميعاً…”
لم تكد تُنهي جملتها حتى انفتح الباب الرئيسي للقاعة ببطء شديد، دون أي صوت أو جلبة حراس، وكأن القصر بأكمله قد شُلّت حركته فجأة. تراجعت سُلافة خطوة إلى الوراء، وتحركت يدها غريزياً نحو سلاحها المخفي، لكن حركة المقعد المتحرك ذي المقبض الفضي الذي تقدم بثبات وسط الظلام جعلت الدماء تجمد في عروقها. خلف المقعد، كان يقف “جوزيف” بملامحه الصارمة، يقود المقعد بهدوء وثقة.
وعليه جلس هو… الجد العقيد. بكبريائه المعهود، ونظرته الصقرية التي لم تكسرها السنون ولا المرض.
وقفت سُلافة مذهولة، وتلاقت عيناهما في صمت رهيب يحمل ثقل ماضٍ سحيق من الأسرار والدماء، لتستعيد قناعها البارد المسموم قائلة بنبرة متهكمة: “العقيد…؟ بنفسه في مدينتي؟ وفي قصري؟ لا أصدق أن عجوزاً مقعداً تجرأ على الخروج من جحره ليأتي إلى مسلخي بقدميه!”
ابتسم الجد العقيد بهدوء مرعب، قائلاً: “حراسكِ يا سُلافة؟ لقد صنعتُ هذا النظام قبل أن تولد عِصابتكِ هذه. أنا لا أحتاج لجيوش لأدخل قصر امرأتي السابقة… جئتُ لأعطيكِ خياراً واحداً، فالأرملة الذكية تعلم متى تنسحب من الرقعة.”
دارت سُلافة حول كرسيه كالذئب وقالت: “أنا لم أعد تلك الفتاة… أنا الآن الأرملة السوداء التي تملك خيوط قمرة. وبإشارة واحدة مني، يمكنني أن أنهي أسطورتك في هذه الغرفة!”
نظر إليها الجد العقيد دون أن يرمش وقال: “جرّبي إذن… لكن تذكري، رجالي يطوقون هذا القصر بالكامل الآن، والبنادق موجهة نحو نوافذكِ قبل أن تطأ قدمي عتبة بابكِ.
مسكت سلافة جهاز اللاسلكي تنادي حراسها أو أحد من الخدم ولكن لا احد يجيب فتنظر اليه بنظرات ملئها شرار.
فقال العقيد مسترسلا حديثه: جئتُ لأعرض عليكِ مظروف الحقيقة… الهوية الحقيقية لمن خانكِ وتسبب في دفنكِ حية في الماضي. عندما تفتحي المظروف وتعرفي هوية الذي خانك ، خذي ثأركِ الحقيقي خارج هذه اللعبة الخاسرة.”
تصلّب جسد سُلافة، ونظرت إلى المظروف المختوم الذي وضعه جوزيف على الطاولة. كبّلتها المفاجأة، وبدأت تزن العرض بميزان الذكاء؛ فالحصار محكم، وهذا المظروف يمنحها هدفاً أكبر بكثير من حدود مدينة قمرة.
مدت يدها ببطء، وتناولت المظروف قائلة بنبرة خافتة: “إذا اكتشفتُ أن هذه خدعة… سأعود يا عقيد، وسأحرق غابة الذئاب بمن فيها.”
ابتسم العقيد بنصر صامت، وأشار لجوزيف بالانسحاب. لكن قبل أن يتحرك المقعد خطوة واحدة نحو المخرج، دوت أصوات خطوات ثقيلة وحازمة واقتحمت القاعة هيبة مرعبة كتمت الأنفاس. لم تكن خطوات حراس، بل كانت خطوات ملوك مافيا العراب… آل السامر.
تقدم السيد وارث بخطواته المتزنة ووقاره الطاغي، وعيناه الحادتان تفحصان المكان، وبجانبه السيد قتادة بنظراته الصارمة التي لا تعرف الرحمة، ويسير خلفهما السيد مؤيد بملامحه الهادئة الغامضة، يرافقه السيد عارم بحضوره الخشن والمندفع.
توقفت المجموعة أمام المقعد المتحرك، والتقطت الأعين الوجوم المتبادل بين العقيد وسُلافة.
تقدم السيد وارث خطوة للأمام، ونظر إلى الجد العقيد بنبرة العتاب الجاف : “لقد علمنا بتحركك يا عقيد… لم يكن ينبغي لك أن تأتي إلى قصر الأرملة السوداء بمفردك وتخاطر بنفسك، مهما كانت الحسابات التاريخية بينكما.”
التفت السيد قتادة بنظراته القاطعة نحو سُلافة، ثم نقلها إلى المظروف الذي بين يديها، وقال بصوت جهوري: “يبدو أننا وصلنا في الوقت المناسب تماماً لنشهد صياغة العهود الجديدة… أو لننهي هذا الصراع بشكل حاسم.”
أما السيد مؤيد، فظل يراقب زوايا الغرفة بصمت ذكي، بينما تقدم السيد عارم بخطوات واثقة وقف بها كالسد المنيع بجانب مقعد العقيد، ملقياً بنظرة مهددة نحو سُلافة تحذرها من أي حركة غادرة.
اتسعت عينا سُلافة وهي ترى أقطاب آل السامر يطوقون قاعتها؛ فالأمر لم يعد مجرد حصار خارجي من رجال العقيد، بل أصبح مواجهة مباشرة مع رؤوس المافيا الذين أتوا لحماية أحد رموز مافيا العراب “آل السامر” وإغلاق ملف الأرملة السوداء إلى الأبد.
تنهدت سلافة ورفعت المظروف في وجه الجد العقيد قائلة: “سوف أقبل بهذه الهدنة مؤقتاً، لكن تذكر أنني سوف أعود إن أتيحت لي الفرصة لتولي زمام الأمور في منظمة الذئب الأسود، الآن فليخرج الجميع من قصري.”
نظر إليها الجد العقيد وهو يبتسم بهدوء، وأشار إلى جوزيف لإخراجه قائلاً: “ليس لكِ مكان في منظمة الذئب الأسود.”
قالها وهو يخرج، وتبعه الجميع، بينما بقيت الأرملة السوداء تنظر إلى المظروف، ثم إلى الرمال الصفراء في صحراء قمرة.
يتبع….
[email protected]



