كتاب الرأي

واجبنا نحو اليتيم: أمانة لا تحتمل الإهمال

      ✍️ فاطمة الغامدي – كاتبة سعودية :

ليس اليتيم رقمًا في سجلٍ خيري، ولا وسيلةً لتحصيل التبرعات، بل هو أمانة إنسانية عظيمة، اختبر الله بها ضمائر الناس قبل قدراتهم. فقدانُه للسند لا يعني أن يُترك فريسةً للإهمال أو الاستغلال، بل يستوجب أن نكون له سندًا صادقًا يعوّضه بعض ما فقد، لا أن نضيف إلى جراحه جرحًا جديدًا.

إن كفالة اليتيم في جوهرها عبادة قائمة على الإخلاص، لا على المظاهر. وكل انحرافٍ عن هذا المعنى—سواء بالإهمال، أو التقصير، أو استغلال اسمه لجمع الأموال دون وصولها إليه—هو خيانة للأمانة قبل أن يكون مخالفةً للنظام. فكم من يتيمٍ حُرم حقه باسم الرعاية، وكم من دعمٍ ضاع بين الأرقام دون أن يلمس حياته!

المشكلة لا تكمن في قلة الموارد، بل أحيانًا في غياب الضمير. حين تتحول بعض الجهات إلى واجهة شكلية، يُهمَّش فيها اليتيم، ويُقدَّم المال على مصلحته، فإننا أمام خطرٍ أخلاقي قبل أن يكون إداريًا. وهنا تتضاعف المسؤولية على كل من له سلطة أو دور: أن يتقي الله، وأن يضع مصلحة اليتيم فوق كل اعتبار.

حماية اليتيم تعني:

* ضمان وصول الدعم إليه كاملًا دون نقص أو تلاعب.
* مراقبة الجهات المسؤولة ومحاسبة المقصّرين.
* تقديم الرعاية النفسية قبل المادية.
* حفظ كرامته من الاستغلال الإعلامي أو العاطفي.

والمملكة العربية السعودية، بقيادتها الرشيدة، تولي رعاية الأيتام وحماية حقوقهم اهتمامًا كبيرًا، ولم تُقصِّر ولن تُقصِّر في تعزيز الأنظمة والرقابة التي تكفل حفظ حقوقهم وصون كرامتهم، كما أنها تضرب بيدٍ من حديد كلَّ من تسوِّل له نفسه التعدي على حقوقهم أو استغلالهم أو العبث بالأمانات الموكلة إليه، تأكيدًا على أن حماية الضعفاء مسؤولية شرعية ووطنية لا تهاون فيها.

المجتمع الواعي لا يكتفي بالعطاء، بل يسأل: أين يذهب هذا العطاء؟ وهل أحدث فرقًا حقيقيًا؟ فالمحاسبة هنا ليست تشكيكًا، بل حماية لحق الضعيف.

وقهر اليتيم من أبشع صور الظلم، وقد نهى الله عنه صراحةً فقال: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾. فإيذاؤه أو حرمانه من حقه ليس مجرد تقصير إداري، بل جريمة أخلاقية ودينية تمسُّ إنسانًا فقد أعظم سندٍ له، وتستوجب وقفةً حازمة من المجتمع كله.

في النهاية، اليتيم ليس بحاجة إلى شفقةٍ مؤقتة، بل إلى عدلٍ دائم، ورعايةٍ تحفظ كرامته، وأمانةٍ تُؤدَّى كما أمر الله. ومن أراد الأجر العظيم، فليجعل اليتيم في مقدمة اهتمامه، وليحفظ حقوقه كاملةً، وليعلم أن الأمانات لا تُقاس بكثرة الشعارات، وإنما بصدق الأداء وعدالة العمل. إنها مسؤولية ثقيلة، لكنها من أعظم أبواب الخير، وشرفٌ لا يناله إلا الأمناء الصادقون .

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى