كتاب الرأي

لا تعقد ميثاقاً مع الغياب… فهذه نهايات الطرق

 ✍️منصور عبدالله الزهراني – كاتب سعودي:

ها أنت…
تمضي بخطواتٍ تعرفها الأرصفة ولا تعرفك.

كل بابٍ تطرقه يترك في يدك مقبضاً بارداً، وذكرى لا تكتمل.

تحمل داخلك مدينةً تتداعى جدرانها بصمت؛ كلما رممت نافذةً، انهار سقفٌ آخر لم تكن تراه.

تفتش في الوجوه عن ملامحٍ كانت تؤمن بك، وعن عينٍ تقرأ ارتباكك قبل أن تبتسم له.

تمد يديك نحو من ازدحموا حولك، فتعودان أكثر فراغاً مما كانتا، لا لأن الناس قلّوا..! بل لأن الأرواح لم تعد تعرف طريقها إلى الأرواح.

تمشي…
وتتعلم…
أن الضجيج ليس نقيض الوحدة؛ فقد يلتف حولك مئة صوت، ويبقى قلبك وحده يصغي لصمته.

تبحث…
وتفتش…
وتتقصى عن كلمةٍ تقيم فيك ولا تعْبُرك، وعن كتفٍ لا يراك قوياً دائماً ولا يخاف من ضعفك.

لكن المواسم تبدل أشجارها، والطرقات تبدل أسماءها، والذين أقسموا أن يبقوا كانوا هم أول الراحلين!

تعود…
وترجع…
وتدخل غرفتك القديمة، فتجد الكرسي في مكانه، والنافذة في مكانها.

إلا أنت…
لم تعد في مكانك.

كم من الأعوام أخذت منك وأنت تظن أنك تؤجل الخسارة، حتى اكتشفت أن بعض الانتظار لا يورث لقاءً، بل يورث اعتياد الغياب.

وحدك…
دون غيرك…
تمر الأعمار كما تمر الغيوم فوق جبلٍ لا يطلب المطر.

وتتعلم أن الأثر ليس فيما يتركه الناس في يديك، بل فيما يتركونه في قلبك.

وحين يثقل المسير.. لا تبحث عن كثرة الرفاق، بل عن ذلك القلب الذي إذا حضر اتسع الطريق، وإذا غاب ضاقت بك الجهات الأربع.

فإن لم تجده…
فكُنه.

كن اليد التي لا تتراجع، والكلمة التي لا تخون، والنافذة التي تبقى مفتوحة حين يغلق الجميع أبوابهم.

فربما في آخر الطريق لن يسألك الزمن: كم صافحت؟ بل سيسألك: كم روحاً وجدت فيك وطناً؟

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى