غابة الذئاب .. الأرملة السوداء الفصل العشرون والأخير

✍️ سمير الشحيمي – كاتب عماني :
سماء مدينة قمرة
في جوف الليل، كانت الطائرة الخاصة تشق عباب السماء فوق سُحب قمرة. في الكابينة الفاخرة ذات الإضاءة الخافتة، ساد صمت رهيب لم يقطعه سوى هدير المحركات. جلست سُلافة وعيناها مثبتتان على المظروف المختوم بالشمع الأحمر والموضوع أمامها على الطاولة.
على بُعد خطوات، وقف “صقر” يراقبها بحذر، تقدم خطوة وسأل بنبرة منخفضة: “سيدتي… ألسنا نثق بكلمات العقيد أكثر من اللازم؟”
لم تنظر إليه، بل ظلت عيناها شاخصتين نحو الطاولة، وقالت بفحيح هادئ: “العقيد يعلم أنني إذا اكتشفتُ أنها خدعة، سأحرق غابته بمن فيها… هو يريد إخراجي من رقعته بأي ثمن، والمظروف يحمل الثمن.”
مدت يدها ببطء، وبأظافرها الحادة فضّت الختم الشمعي، سحبت الأوراق ليتكشف ما أمامها، وتسقط منها صورة شخصية حديثة. وقعت عيناها على الصورة… وفي تلك اللحظة، تجمدت الحركة في الكابينة.
اتسعت عينا سُلافة بذهول مرعب، وشحب وجهها كأنها واجهت الموت، تراجعت بجسدها إلى الخلف، والورقة ترتجف بين أصابعها لأول مرة.
قال صقر، وقد أدرك خطورة الموقف: “سيدتي؟ من صاحبة الصورة؟”
لم تجبه، كانت عيناها تقرآن الاسم المكتوب بالخط العريض في أعلى الصفحة: (الدكتورة كاميليا الهاشم).
”كاميليا…”
همست بالاسم بصوت خافت كتم الأنفاس في الغرفة. تحول الذهول في عينيها فجأة إلى بريق أحمر قاطع من الغضب الأعمى، فقبضت على الصورة بقوة حتى تجعدت الورقة وتكسرت أظافرها، ثم التفتت نحو النافذة المطلة على الفراغ الأسود خارج الطائرة، وقالت بنبرة مدججة بالوعيد: “ظننتِ أن أبراجكِ الزجاجية وأموالكِ ستحميكِ من الأرملة السوداء يا كاميليا؟ أقسم… سأهدم تلك الأبراج فوق رأسكِ، وسأجعلكِ تندمين على كل نفس تنفستِه طوال العشرين عاماً الماضية.”
التفتت نحو صقر، وقالت بكلمة واحدة قاطعة: “استعد.”
وفي تلك اللحظة، أصدرت المحركات هديراً قوياً، وارتفعت الطائرة بزاوية حادة لتختفي تماماً وتغرق بين السحب الكثيفة، متجهة نحو ساحة المعركة الجديدة… خارج حدود قمرة.
مدينة الأبراج (عرين الذئاب)
انتهى الاجتماع الرسمي في قاعة الزعماء، لكن المسامر لم يكن من الرجال الذين يسترخون خلف المكاتب. التفت إلى ديبوا وأشار له برأسه، ليتحرك الاثنان فوراً نحو المقر السري لتدريب منظمة “الذئب الأسود”.
عندما انفتحت الأبواب الفولاذية الضخمة لساحة التدريب، انبعثت حرارة الحماس وصوت الصيحات العسكرية المدوية. كانت الساحة عبارة عن خلية نحل ميكانيكية وتكتيكية فائقة التطور؛ رجال المنظمة يرتدون عتادهم الكامل، وينقسمون إلى مجموعات احترافية تطبق مناورات حية بالذخيرة الخلبية لتطهير المباني بسرعة فائقة.
القناصة يتمركزون في المحاكاة العلوية، يصيبون أهدافاً متحركة بدقة مذهلة تحت ظروف جوية مصطنعة. خبراء التقنية يتابعون البيانات اللوجستية وشبكات الاتصال المشفرة على شاشات ضخمة.
وفي منتصف الجدار الرئيسي للساحة، كان يرتفع شعار منظمة “الذئب الأسود” العملاق، المحفور بالفولاذ المصقول والخلفية الكربونية السوداء؛ رأس ذئب كاسر بعيون حادة تشع باللون الأحمر الخافت، يحيط به هلالان متقاطعان من النصال الفضية. كان الشعار يفرض هيبته على المكان، يذكر الجميع بالولاء، والشرف، والقوة التي لا ترحم الأعداء ولكنها تحمي الأبرياء.
وقف المسامر على شرفة المراقبة العلوية المطلة على الساحة، يشبك يديه خلف ظهره، وعيناه الصقريتان تتابعان كل تفصيلة وجزئية باحترافية شديدة، ومن خلفه يظهر الشعار كأنه يحرس ظهر القائد. إلى جانبه، كان ديبوا يمسك بجهازه اللوحي الرقمي، يراجع تقارير الكفاءة والجاهزية، والابتسامة لا تفارق وجهه.
تحدث ديبوا وهو ينظر إلى الساحة وشعار المنظمة بفخر: “سام.. هؤلاء الرجال أصبحوا قوة لا تُقهر تحت هذا الشعار. التدريبات الأخيرة رفعت الجاهزية إلى مئة بالمئة. البارون أو الأرملة السوداء.. أياً كان من يفكر في الغدر بنا، سيجد أمامه جيشاً من الجحيم.”
التفت ديبوا إلى شاشة فرعية وعيناه تلمعان بالفرح، ثم أضاف: “والأجمل من هذا كله.. الشاحنات أفرغت حمولتها بالكامل. الأجهزة الطبية والمعدات الإلكترونية تعمل الآن في المستشفيات الحكومية. لقد بدأت رسائل الشكر تصل من المتعهدين ومسؤولي الدولة. لقد أمّنا حياة الآلاف اليوم.”
التفت المسامر نحو ديبوا، ولأول مرة منذ بداية تلك الليلة الطويلة، تلاشت القسوة عن ملامحه وارتسمت على وجهه ابتسامة دافئة، مليئة بالثقة والتفاؤل. نظر مجدداً إلى رجاله وشعار ذئبهم الأسود الذي يلمع فوق رؤوسهم، وقال بنبرة قوية وصوت يحمل فجر عهد جديد: “هذا هو مكاننا الحقيقي يا ديبوا.. في الميدان، نصنع القوة لحماية الأمل. غابة الذئاب قد تكون مظلمة ومليئة بالوحوش، لكن طالما أن رجالنا يتدربون بهذه الروح تحت هذا الشعار، وطالما أننا نحمي أهلنا وأبرياء هذا الوطن، فلن يجرؤ أي غدر على كسرنا. المستقبل لنا، ونحن من يكتب القواعد الآن.”
ومع صيحة حماسية جماعية انطلق من أفواه المقاتلين في الساحة تعهدٌ بالولاء وهم يرفعون أسلحتهم تحيةً للمسامر وللشعار، أشرقت شمس يوم جديد عبر النوافذ الزجاجية العملاقة للمقر، لتغمر العرين بنور ذهبي متفائل، يعلن انتصار الحق وبداية عصر القوة الواعية.
ومن إحدى الكاميرات المخبأة باحترافية، تُبث مشاهد التدريبات وصورة المسامر إلى شاشة رقمية تعكس أضواءها على وجه الجد العقيد وهو يبتسم.
المدينة الغائمة
الشمس باهتة تميل نحو المغيب خلف طبقة سميكة من الغيوم، والضباب الفضي يلف أطراف الشارع الهادئ. تخرج السيدة كاترين من باب المحل وتحمل سلة صغيرة بها بعض الخضروات، ويتبعها شقيقها باتريس وهو يحمل صندوقاً خشبياً صغيراً ويستعدان لإغلاق المحل. على جانب الرصيف، تقف سيارة دفع رباعي سوداء ضخمة، ويستند إليها المسامر (سام) بسترة جلدية وعينين تملؤهما اللهفة والشوق بعد غياب طويل. ترفع كاترين رأسها وتتوقف مكانها بصدمة، بينما يضع باتريس الصندوق بذهول وفرحة عارمة.
باتريس (بابتسامة عريضة وصوت مرتفع من المفاجأة): “سام؟! هذا أنت.. ؟! “
المسامر (يتقدم نحوهم بخطوات متسارعة، والابتسامة تملأ وجهه): “لم أكن لأمر بهذه المدينة دون أن أرى عائلتي.. اشتقت إليكما كثيراً. مساؤكم خير يا عم باتريس، ويا أمي الغالية.”
كاترين (تترك السلة وتسرع نحوه، لترتمي في حضنه بلهفة ودموع الفرح): “سام يا بني.. يا حبيبي! طال غيابك هذه المرة، وشغلني التفكير فيك طوال الوقت. دعني أنظر إليك…”
المسامر (يحتضنها بقوة ويدفن رأسه في كتفها لثوانٍ، ثم يتراجع وينظر في عينيها برفق): “أمي.. مهما ابتعدتُ واشغلتني الحياة، ومهما كبرتُ في طريقي الخاص، سأظل دائماً ‘سام’ الصغير الذي ربيتِيه هنا بالمحبة. جئت لأطمئن عليكِ بنفسي، لأنني شعرت بقلقكِ من بعيد.”
باتريس (يتقدم ويشد على يد سام ويحتضنه بحرارة): “سام، نحن هنا وبيتك دائماً مفتوح لك.. أختي كاترين لم يهدأ لها بال منذ أن رحلت، والآن فقط عادت الروح إلى هذا المكان. لن ندعك ترحل بهذه السهولة الليلة!”
المسامر (ينظر إلى المحل وإلى والدته وخاله بامتنان عميق وابتسامة دافئة): “التربية والمحبة التي عشتها معكما هي الشيء الحقيقي الوحيد في حياتي. وفي الحقيقة.. لم آتِ لألقي التحية وأرحل؛ لقد اشتقت لطعامكِ يا أمي، وجئت لأقضي هذه الليلة معكما.”
كاترين (تتسع ابتسامتها وتمسح دموع الفرح بسرعة): “حقاً يا بني؟! هذا أجمل خبر أسمعه منذ أشهر! سأعد لك شهى مائدة عشاء فوراً.”
باتريس (يأخذ صندوق الخشب ويغلق باب المتجر بحماس): “إذاً، دعنا نغلق المحل سريعاً يا سام.. الليلة ليلة احتفال بعودتك، والعشاء لن يحلو إلا بوجودنا معاً.”
يساعد سام خاله باتريس في إغلاق المتجر، ثم يمسك بيد والدته كاترين ويدخلون جميعاً إلى المنزل الدافئ الملحق بالمحل، ليتشاركو معاً وجبة عشاء عائلية مليئة بالضحك واسترجاع الذكريات، بعيداً عن صخب العالم الخارجي.
انتهت.
للتواصل [email protected]


