كتاب الرأي

الهواتف الذكية.. راحة تقنية يقابلها تحدٍ صحي للعينين والرقبة والأكتاف

     ✍️ إبراهيم الروسي – كاتب سعودي : 

فرضت الهواتف الذكية نفسها كواحدة من أهم وسائل الاتصال والعمل والتعلم في العصر الحديث، وأصبحت جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية لمختلف الفئات العمرية. إلا أن هذا الاعتماد المتزايد على الشاشات الإلكترونية ترافق مع ارتفاع ملحوظ في المشكلات الصحية المرتبطة بالاستخدام المطول، وفي مقدمتها إجهاد العين وآلام الرقبة والأكتاف والظهر.

ويرى مختصون أن قضاء ساعات طويلة في تصفح الهاتف أو متابعة المحتوى الرقمي دون أخذ فترات راحة يؤدي إلى الإصابة بما يُعرف بـ”إجهاد العين الرقمي”، وهي حالة تنتج عن التركيز المستمر على الشاشة، وتتسبب في جفاف العين، وتشوش الرؤية، والصداع، والشعور بحرقة العين وصعوبة التركيز، نتيجة انخفاض معدل الرمش أثناء استخدام الأجهزة الذكية.

ولا تقف الأضرار عند هذا الحد، إذ يمتد تأثير الاستخدام الخاطئ للهاتف إلى العمود الفقري والعضلات، حيث يؤدي انحناء الرأس إلى الأمام لفترات طويلة إلى زيادة الضغط على فقرات الرقبة بشكل يفوق المعدلات الطبيعية، ما يسبب شدًا في عضلات الرقبة والكتفين، وقد يمتد الألم إلى أعلى الظهر، ومع استمرار هذه العادة قد تتحول المشكلة إلى آلام مزمنة تؤثر في ممارسة الأنشطة اليومية.

كما يحذر مختصون من استخدام الهواتف الذكية قبل النوم مباشرة، إذ إن الضوء الأزرق المنبعث من الشاشات قد يؤثر في إفراز هرمون الميلاتونين المسؤول عن تنظيم النوم، مما يؤدي إلى صعوبة الخلود للنوم واضطراب جودته، وهو ما ينعكس على النشاط الذهني والبدني خلال اليوم التالي.

وفي المقابل، يؤكد الأطباء أن اتباع عدد من العادات الصحية البسيطة يسهم في الحد من هذه المشكلات، ومن أبرزها تطبيق قاعدة 20-20-20، والتي تقوم على النظر إلى جسم يبعد نحو 20 قدمًا لمدة 20 ثانية بعد كل 20 دقيقة من استخدام الشاشة، إلى جانب أخذ فترات راحة منتظمة، ورفع الهاتف إلى مستوى العين، والمحافظة على وضعية جلوس سليمة، وتجنب استخدام الهاتف لفترات متواصلة.

ويُنصح كذلك بممارسة تمارين الإطالة للرقبة والأكتاف بشكل يومي، وممارسة النشاط البدني بانتظام، وتقليل استخدام الهاتف قبل النوم، وضبط سطوع الشاشة بما يتناسب مع الإضاءة المحيطة، والحرص على ترطيب العينين عند الحاجة بعد استشارة الطبيب.

ويشدد المختصون على ضرورة عدم تجاهل الأعراض المستمرة، مثل الصداع المتكرر، أو تشوش الرؤية، أو آلام الرقبة والكتفين، أو التنميل في اليدين، إذ تستوجب هذه الحالات مراجعة الطبيب لتقييمها وتقديم العلاج المناسب قبل تطورها إلى مشكلات صحية أكثر تعقيدًا.

ومع استمرار التطور الرقمي واعتماد الإنسان المتزايد على الهواتف الذكية في مختلف جوانب الحياة، تبقى مسؤولية الاستخدام الواعي حجر الأساس للحفاظ على الصحة. فالتقنية وُجدت لتسهيل الحياة وتحسينها، وليس لإلحاق الضرر بصحة الإنسان، ويمكن لعادات بسيطة ووعي أكبر بطريقة الاستخدام أن يقللا بشكل كبير من المخاطر الصحية، ويحققا التوازن بين الاستفادة من التكنولوجيا والمحافظة على جودة الحياة.

إبراهيم أحمد الروسي

مدير مكتب الصحيفة بمنطقة عسير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى