كتاب الرأي

خواطر العمر: بين تفاهات الحياة وفقه المسير

✍️أ. د. محمد شايع الشايع- كاتب وأكاديمي – جامعة الملك سعود :

في مراحل العمر الأولى يسير الإنسان خلف مشاعر وأحلام صغيرة. ومع التعليم والتدريب تبدأ شخصيته في التشكل، وتتسع آفاقه، وتتعاظم طموحاته، وتتضح أهدافه. ويقول أهل التخطيط الشخصي: «ضع هدفك عند النجوم، فإن لم تبلغها بلغت مكانًا يقرّبك منها.» وهي مقولة تحمل معنى الطموح، غير أنها لا تكتمل إلا بفهم سنن الله في الحياة. فلا قيمة للأهداف من غير عمل، ولا للعمل من غير بصيرة، ولا للبصيرة من غير توكل على الله.

وفي هذا السياق لا يُقاس العمر بعدد السنين، بل بسلسلة من الخواطر التي تتحول إلى قرارات، ثم إلى أعمال، ثم إلى مصائر. وما بين أول حلم يراود الإنسان وآخر أمنية يحملها في قلبه، تتشكل حياته بما اختار أن يشغل به عقله، وأن يملأ به أيامه. فمن الناس من عاش عمره يبني نفسه، ومنهم من استهلك عمره في مراقبة غيره، ظنًّا منه أن ذلك سبيل نجاحه. وبين هذين الطريقين تتجلى حقيقة الحياة، بين من تستنزفه تفاهات الانشغال بما لا ينفع، ومن يهديه حسن فقه المسير إلى الغاية التي خُلق لها.

يولد الإنسان، وتولد معه الخواطر. تبدأ أحلامًا صغيرة، ثم تكبر حتى تصبح مشروع عمر. وبين البداية والنهاية لا يحصد المرء إلا ما زرعه في نفسه من علم، وعمل، وصبر، أو من أوهام، وحسد، وانشغال بالآخرين.

الناس جميعًا يحلمون، لكن القليل يدرك أن لكل حلم مهرًا. فالنجاح لا تمنحه الأمنيات، ولا تصنعه المصادفات، وإنما تبنيه المعرفة، وتصقله المهارة، ويحفظه حسن الخلق، ويثمره الصبر وطول النفس.

ولم يخلد التاريخ اسمًا بلغ المجد براحة أو انتظار. ففي زمن الفروسية كان مهر البطولة التدريب، وقوة الاحتمال، وشدة المراس. واليوم، في عصر العلم والمعرفة، لم تتغير السنن، وإنما تغيرت الأدوات. فأصبح مهر النجاح السهر، والانضباط، والتعلم المستمر، والتضحية ببعض متع الحياة، وبذل المال والوقت فيما يبني الإنسان. فالنجاح ليس منحة عابرة، بل ثمرة تضحية واعية، تقوم على البصيرة، وحسن الأخذ بالأسباب.

وفي المقابل، يقضي آخرون أعمارهم في نقد الناجحين، وتقزيم المنجزين، والانشغال بمراقبة الناس، حتى يسبقهم العمر. ثم يكتشفون أن الأحلام لا تتحقق بالرغبات، وأن من عجز عن بناء نفسه حاول أن يهدم غيره، وأن الكراهية لا تصنع نجاحًا، كما أن الحسد لا يبني معرفة ولا مهارة.

ومع ذلك، فإن الأخذ بالأسباب لا ينافي الإيمان بالقدر، بل هو من تمام العبودية. فالإنسان مأمور بالسعي، لا بضمان النتائج. وما يقع في الحياة من نجاح أو تعثر، ومنحة أو محنة، إنما هو جزء من قدر لا تنكشف حكمته إلا بعد وقوعه. لذلك فلا خوف مع التوكل، ولا يأس مع حسن الظن بالله. يبذل المؤمن وسعه، ثم يرضى بما قسمه الله له، لأنه يعلم أن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، وما أصابه لم يكن ليخطئه.

ويبقى السؤال الأعظم: لماذا خُلقنا؟

لقد أجاب القرآن جوابًا حاسمًا بقوله تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ۝ ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون﴾. فإذا استقرت هذه الحقيقة في القلب، أدرك الإنسان أن العبادة ليست شعائر تؤدى فحسب، بل منهج حياة يُعاش. يدخل فيه إتقان العمل، وصدق السعي، والإحسان إلى الخلق، والصبر على البلاء، والاحتساب في كل جهد يبذله الإنسان. كما يدخل فيه كف الأذى عن الناس، وترك الخصومات التي تستنزف الفكر والعمر.

إن أكثر ما يضيع الأعمار ليس قلة الفرص، بل الانشغال بسفاسف الأمور. ويبدأ ذلك بمراقبة الآخرين، والدخول في معارك لا تبني علمًا، ولا تصنع مهارة، ولا تزيد القلب إلا قسوة. أما العاقل فيصرف عمره إلى بناء نفسه، وإصلاح قلبه، وعمارة دنياه بما ينفع، رجاء عمارة آخرته.

ولعل من حسن فقه المسير أن يدرك الإنسان أن الحياة ليست سباقًا مع الناس، وإنما رحلة إلى الله. وأن النجاح الحقيقي ليس أن تتقدم على غيرك، بل أن تؤدي رسالتك التي خُلقت لها، وأن تجمع بين حسن السعي، وجميل التوكل، والأخذ بالأسباب، والرضا بالمقدور. فالعاقل لا يضيع عمره في مقارنة نفسه بالناس، بل في مقارنة يومه بأمسه، حتى يكون غده خيرًا من يومه.

فإذا انقضى العمر، فلن يبق للإنسان إلا ما تعلم، وما عمل، وما أخلص فيه لله. أما سفاسف الأمور، وضجيج الخصومات، ومطاردة أوهام المقارنات، فستتلاشى كما تتلاشى الأيام، ولن يبقى منها إلا الحسرة على زمن أُهدر فيما لا ينفع.

وهكذا يبقى الإنسان طوال عمره واقفًا بين طريقين. طريق تستنزفه سفاسف الأمور حتى ينقضي عمره وهو يظن أنه منشغل بما ينفع، وطريق يهديه حسن فقه المسير إلى معرفة نفسه، وربه، وغايته. والسعيد من عرف الفرق بينهما مبكرًا، فدفع مهر أحلامه علمًا وعملًا، وأحسن الأخذ بالأسباب، ثم سلّم أمره إلى ربه، فعاش عمره عامرًا بالطاعة، نافعًا للناس، مطمئنًا إلى وعد الله
وتلك هي خواطر العمر التي تستحق أن تُكتب، والأجدر من ذلك أن تُعاش .

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى