
سلسلة ” غابة الذئاب “
✍️ سمير الشحيمي – كاتب عماني :
تحديداً في المقر الخاص لإدارة عمليات مافيا العراب “آل السامر”، يدخل السيد وارث بخطى ثابتة متأنية، وفتح له أحد رجال المنظمة الباب فدخل. كان الجميع متواجدين داخل تلك الغرفة الواسعة المليئة بالشاشات: السيد عارم وكان خلفه ابناه مؤمن وبارق، السيد قتادة خال المسامر، السيد مؤيد وابنه السيد فراس، ابنا السيد وارث وهما السيد جمال والسيد حسن، والسيد أسد وابناه السيد فهد والسيد ليث.
عَمّ الصمت بعد أن دخل السيد وارث وجلس على طاولة مستديرة تتوسط الغرفة، وجلس كبار القادة. تنحنح السيد وارث وضغط بكفيه على حافة الطاولة المستديرة، ونظر إلى الوجوه القلقة حوله بملامح حادة.
السيد وارث: “الآن، سقطت الأقنعة! عودة الجد عقيد السامر من الموت ليست مجرد معجزة، إنها خطة محكمة أُجبر على خوضها بسبب عودة الأرملة السوداء سلافة.”
السيد عارم (يلتفت بقلق إلى ابنيه مؤمن وبارق خلفه): “لكن يا سيد وارث، كيف علم الجد أصلاً بعودتها وهو خلف قضبان السجن؟ وكيف نجت تلك المرأة من المذبحة؟ لقد ظننا جميعاً أننا دفنا جشع سُلافة للانفراد بقيادة منظمة الذئب الأسود منذ سنوات في صحراء قمرة!”
السيد وارث (ينظر إلى الجميع بنظرة ثاقبة): “العقيد علم لأن هناك من أعلمه.. أخوها.. البارون!”
ساد القاعة همس وصدمة بين الأبناء والآباء، ليتحدث السيد مؤيد مذهولاً: “البارون؟! البارون هو من حذر العقيد؟ كيف؟”
السيد وارث: “نعم، البارون أرسل رسالة للعقيد داخل سجنه، حينها أدرك العقيد أنه لن يستطيع المواجهة وهو مكبل خلف القضبان، فكانت الخطة.. تزييف موته بأزمة قلبية مفاجئة ليخرج.”
فراس (يتقدم بملف يحمله، وعيناه متسعتان من الاستنتاج): “الآن فُهمت الصورة! لهذا السبب حضر البارون جنازة الجد عقيد بنفسه! لم يكن حاضراً للتعزية، بل جاء مدفوعاً بشكوكه الثعلبية.. كان يعلم أن العقيد داهية، وكان يتوقع أن التابوت الذي تم إحضاره من المدينة الغائمة لم يكن سوى تابوتٍ فارغ!”
مؤمن (يضيف بنبرة حادة): “إذاً، البارون يلعب لعبة مزدوجة؛ حذر الجد عقيد ليحميه، والآن لا نعلم إن كان يخطط للغدر بنا ويتفق مع أخته للنيل منا.”
السيد أسد (يتكلم في مكانه بحذر وخطورة): “يا آل السامر، يجب أن نكون واقعيين، سُلافة تحكم قبضتها على مدينة قمرة وكونت جيشاً من المرتزقة، والبارون يسيطر على المدينة الغائمة ويملك المال والغطاء، إذا تحالفا فعلياً فلن يكتفيا بحدودهما… عيونهما الآن شاخصة نحو معقلنا، نحو مدينة الأبراج التي نسيطر عليها نحن زعماء مافيا آل العراب ومنظمة الذئب الأسود.”
فهد (يتقدم خطوة وعلامات التحدي على وجهه): “مدينة الأبراج حصن منيع يا أبي، رجوع الجد العقيد حياً منحنا الشرعية والروح القتالية. أقترح أن نقوم بنشر حرس مسلحين حول مداخل المدينة ومخارجها، لكي لا يدخل غريب واحد إلى المدينة دون علمنا.”
ليث (يكمل بحماس): “نحن مستعدون، لكن الخوف ليس من الهجوم المباشر، الخوف من غدر الحليف والتسلل من الخلف.”
السيد جمال (يلتفت إلى أخيه حسن بجدية): “ليث محق. سُلافة والبارون يعرفان أن مواجهتنا وجهاً لوجه في مدينة الأبراج انتحار، خطتهما ستعتمد على الخديعة والغدر المدفوع بالمال.”
السيد حسن: “إذاً، خطوتنا الأولى هي تشديد الحراسة على المداخل، ومراقبة أي تحرك مريب للقادمين من قمرة أو المدينة الغائمة. زعماء مافيا آل العراب يجب أن يأخذوا حذرهم الكامل؛ السلاح في الأيدي والأعين لا تنام.”
السيد وارث (يقف مستجمعاً هيبته الطاغية، ليرتفع صوت كبار العائلة وأبنائهم تأييداً له): “إذاً، اتضحت الصورة وانكشفت اللعبة. عارم وقتادة، تأمين الجد عقيد هو أولويتكما القصوى، فهو الهدف الأول لسُلافة. مؤيد وأسد، أبناؤكم سيتولون تأمين حدود مدينة الأبراج. ليعلم الجميع أن آل العراب مستعدون، وأن منظمة الذئب الأسود لن تُؤخذ على حين غرة. الأرملة السوداء وأخوها البارون ظنا أن العراب بات بلا أنياب… فلنأخذ حذرنا من أي غدر، ولنثبت لهما أن آل السامر هم دائماً الأسياد هنا!”
المدينة الغائمة
منزل السيدة كاترين كوين (أرملة السيد مارك كوين)، يلفه هدوء دافئ. على الجدار الرئيسي للصالة، تبرز لوحة تضم صورة معلقة للسيد الراحل مارك كوين وبجواره سام (المسامر).
السيدة كاترين كوين تجلس أمام مائدة العشاء بملامح حزينة يملؤها الشوق والقلق على ابنها بالتبني المتواجد حالياً في مدينة الأبراج مع عائلته الحقيقية “آل العراب”، ويجلس بجوارها شقيقها باتريس الذي يحاول مواساتها وحثها على تناول الطعام.
باتريس (ينظر إلى طبق كاترين): “كاترين، أرجوكِ تناولي عشاءكِ.. واجهي الواقع، سام الآن في مدينة الأبراج مع آل العراب، وتفكيركِ المستمر وقلقكِ عليه لن يغيرا من الأمر شيئاً، لقد أصبح رجلاً ويستطيع حماية نفسه.”
كاترين (تلتفت بنظرات مكسورة نحو صورة زوجها الراحل مارك والمسامر): “كيف أتناول طعامي والبيت أصبح فارغاً بدونه يا باتريس؟ سام يعلم أننا ربيناه بالتبني، لكنه ظل ابني طوال ثلاثين عاماً.. وخوفي كأم ربت واعتنت لا يفارقني، أخشى أن تأخذه مدينة الأبراج مني إلى الأبد.”
باتريس (يهز رأسه مواسياً): “الروابط التي بنيتِها معه طوال هذه السنين ليست سهلة الزوال يا أختي.. تماسكي.”
فجأة، يقطع حديثهما طرقات خفيفة ولطيفة على الباب الخارجي. ينهض باتريس ويفتح الباب لتظهر الشرطية ناتالي بلباسها المدني، وعلى وجهها ابتسامة ودية وهادئة.
باتريس (مبتسماً ترحيباً بها): “أهلاً وسهلاً.. سيادة الشرطية ناتالي، تفضلي بالدخول.”
ناتالي (تدخل بخطوات هادئة وتلقي التحية): “مساء الخير سيد باتريس.. أعتذر بشدة على إزعاجكم في وقت العشاء، لكني أردت زيارة السيدة كاترين.”
كاترين (تنهض من المائدة وترحب بها بامتنان): “أهلاً بكِ يا ناتالي.. تفضلي يا ابنتي، تفضلي بالجلو س، هل هناك خطب ما؟”
ناتالي (تجلس بهدوء وتنظر لكاترين بنظرة حانية): “لا أبدًا يا سيدة كاترين، لا يوجد أي خطب.. في الحقيقة، لقد أنهيت عملي، وأردت فقط المرور بكِ للاطمئنان عليكِ وعلى أحوالكِ، فقد شعرت أنكِ قد تكونين وحيدة وقلقة في هذا الوقت.”
تتأثر كاترين بكلماتها وتبتسم بامتنان، بينما تلمح ناتالي بطرف عينها الصورة المعلقة لمارك وسام.
كاترين: “هذا لطف كبير منكِ يا ناتالي.. نعم، قلبي لا يهدأ منذ رحيله، لكن زيارتكِ وسؤالكِ أثلجا صدري كثيراً.”
ناتالي (تبتسم برقة وتنهض مستعدة للمغادرة): “سام يكنّ لكِ الكثير من الحب والتقدير يا سيدة كاترين، والروابط الحقيقية لا تقاس بالدم فقط، بل بالتربية والمحبة التي منحتِها له.. أردت فقط الاطمئنان، ولن أطيل عليكِ لتكملي عشاءكِ مع السيد باتريس.”
باتريس: “نشكركِ جزيل الشكر على هذه اللفتة الطيبة يا ناتالي.”
كاترين: “شكراً لكِ يا ابنتي، زيارتكِ تعني لي الكثير.. رافقتكِ السلامة.”
تغادر ناتالي المنزل بخطوات هادئة، ويغلق باتريس الباب، بينما تعود كاترين إلى مائدة العشاء وقد ارتسمت على وجهها راحة ضئيلة، وتنظر إلى صورة مارك والمسامر بنظرة يملؤها الأمل.
يتبع….
للتواصل : [email protected]



